عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 2012-12-02, 04:52 AM
احساس رجل احساس رجل غير متواجد حالياً
:: سائح فعال ::
 



من أوجه المناسبة بين سورتي البقرة وآل عمران

بسم الله الرحمن الرحيم
روى الإمام مسلم في "صحيحه" عن رسول الله

صلى الله عليه وسلم أنه قال: (

اقرؤوا الزهراوين: البقرة، وسورة آل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة

كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صوافّ،

تحاجَّان عن أصحابهما ) ففي هذا الحديث، وغيره من

الأحاديث الواردة في حق هاتين السورتين، ما يدل على ترابط وتناسب

وتلازم بين هاتين السورتين الكريمتين، نطلع عليه من خلال ما وقفنا

عليه من أقوال لأهل العلم في هذا الصدد .

فمن أوجه المناسبات بين السورتين،

إضافة لتسميتهما بالزهراوين، أنهما افتتحتا بذكر الكتاب - وهو القرآن -
فجاء في سورة البقرة مجملاً في قوله تعالى: { ذلك الكتاب لا ريب

فيه } بينما جاء ذكر الكتاب في سورة آل عمران مؤكِّدًا ومفصِّلاً لما في

البقرة، قال تعالى: { نزَّل عليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه } (آل عمران:3) .

ومن وجوه المناسبات بين السورتين، ما

رواه أصحاب السنن إلا النسائي ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: { وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو

الرحمن الرحيم } (البقرة:163) وفاتحة آل عمران: { الله لا إله إلا

هو الحي القيوم } (آل عمران:2) فقد اشتملت السورتان الكريمتان

على اسم الله الأعظم، الذي إذا دُعي به أجاب .

ولما كانت سورة البقرة قد عالجات شبهات اليهود وادعاءاتهم بشيء من

البسط والتفصيل، وتعرضت لشبهات النصارى على وجه الإجمال؛

جاءت - بالمقابل - سورة آل عمران تواجه وتعالج شبهات النصارى

بشي من التفصيل، وبخاصة ما يتعلق منها بـ عيسى عليه السلام، وما

يتعلق بعقيدة التوحيد الخالص، كما جاء به دين الإسلام. وتصحح لهم ما

أصاب عقائدهم من انحراف وخلط وتشويه. وتدعوهم إلى الحق الواحد

الذي تضمنته كتبهم الصحيحة التي جاء القرآن بتصديقها؛ مع إشارات

وتقريعات لليهود، وتحذيرات للمسلمين من دسائس أهل الكتاب .

وقد قال أصحاب كتب أسباب النزول: إن الآيات الأُوَل من سورة آل

عمران نزلت في وفد نجران، وكانوا يدينون بالنصرانية، وكانوا من

أصدق قبائل العرب تمسكًا بدين المسيح عليه السلام .

وذكر الإمام السيوطي بناء على قاعدته، أن كل

سورة تالية شارحة لمجمل ما جاء في السورة قبلها، العديد من أوجه

المناسبات، نختار منها الأوجه التالية:

- أنه سبحانه ذكر في سورة البقرة إنزال الكتاب مجملاً، في قوله: {

ذلك الكتاب } (البقرة:2) بينما ذكره في سورة آل عمران مفصلاً، قال

تعالى: { منه آيات محكمات هنَّ أم الكتاب وأُخَرُ متشابهات } (آل عمران:7) .

- جاء في سورة البقرة قوله سبحانه: { وما أُنزل من قبلك } (البقرة:

4) مجملاً، في حين جاء في سورة آل عمران مفصلاً، قال تعالى: {

وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس } (آل عمران:4) فصرح

هنا بذكر الإنجيل؛ لأن السورة خطاب للنصارى، ولم يقع التصريح

السلام قيست على قصة آدم ، والمقيس عليه لا بد وأن يكون معلومًا، لتتم

الحجة بالقياس، فكانت قصة آدم ، والسورة التى هي فيها، جديرة
بالتقديم .


- ومما يقوي المناسبة والتلازم بين السورتين الكريمتين، أن خاتمة

سورة آل عمران جاءت مناسبة لفاتحة سورة البقرة؛ وبيان ذلك أن سورة

البقرة افتتحت بذكر المتقين، وأنهم هم المفلحون، بينما خُتمت سورة آل

عمران بقوله تعالى: { واتقوا الله لعلكم تفلحون } (آل عمران:200)

وأيضًا افتتحت سورة البقرة بقوله سبحانه: { والذين يؤمنون بما أنزل

إليك وما أنزل من قبلك } (البقرة:4) وختمت سورة آل عمران بقوله

سبحانه: { وإنَّ من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل

إليهم } (آل عمران:199) .

وقد ورد أن يهود لما نزل قول الله جلَّ وعلا: { من ذا الذى يقرض الله

قرضًا حسنًا } (البقرة:245) قالوا: يا محمد، افتقر ربك يسأل عباده

القرض، فنزل ردُّ الله عليهم: { لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير

ونحن أغنياء } (آل عمران:181) وهذا مما يقوي التلازم بين

السورتين أيضًا .

وقريب منه، أنه وقع فى سورة البقرة، حكاية قول إبراهيم عليه السلام:

{ ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلوا عليهم آياتك } (البقرة:129)

ووقع في سورة آل عمران قوله سبحانه: { لقد مَنَّ الله على المؤمنين إذ

بعث فيهم رسولاً من أنفسهم } (آل عمران:164) والتلازم بين الآيتين

هنا في غاية الظهور .

ولا شك أن وراء ما ذكرنا من مناسبات بين

السورتين، أمورًا أُخر، لكن حسبنا ما أتينا عليه من أوجه المناسبات،

كدلالة على التلازم والتناسب بين سور القرآن الكريم، والذي يدل قبل

هذا على أن القرآن الكريم تنزيل من رب العالمين