عرض مشاركة واحدة
  #10  
قديم 2012-04-09, 08:43 PM
الهندى نانو الهندى نانو غير متواجد حالياً
:: سائح مميز ::
 



رد: الفوائد والعبر من قصص الأنبياء

12-القوة والأمانة .
القوة والأمانة صفتان تطلبان في أصحاب الرياسة والقيادة، والتكليف بالأعمال، وذلك أن العامل القوي في أي منصب كان إن لم يكن أميناً ظلم العباد، واغتصب الحقوق، وخان الأمانات، وكذلك العامل الأمين إن لم يكن قوياً، أُتي من قبل ضعفه وعدم قدرته على إدارة الأمور وتسييرها على الوجه المطلوب . فكلا الصفتين مطلب لضمان نجاح الأعمال .
ويدل على ذلك آيتين في كتاب الله : الأولى قوله تعالى في حكايته قول ابنة شعيب لما أراد أبوها من موسى عليه السلام أن يعمل عنده .
{ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ } ([1]) .
والثانية قوله تعالى في حكايته عن كلام عفريت من الجن لسليمان عليه السلام ، لما قال لحاشيته من يأتني بعرش بلقيس قبل أن تقدم إليه ؟ :
{ قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا ءَاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ } ([2]) .
وعليه فإن المرء عندما يبحث عن رجال لتسلم وظائف معينة، أو لأداء مهام، أو أعمال، فإنه يراعي تلك الصفتين، حتى يحصل على نتائج مرضية .

13-إني حفيظ عليم .
تلك كانت مقالة يوسف عليه السلام في سياق ذكر قصته التي قصها الله علينا في كتابه، ويوسف عليه السلام قال تلك المقالة بعد أن عبّر الرؤيا لعزيز مصر، وأظهر الله صدق يوسف وبراءته من التهمة التي أُدخل بسببها السجن، فأراد ملك مصر أن يجعله مقرب عنده ممكن أي كالمستشار { وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ} ([3]) . ولكن يوسف عليه السلام أراد أمراً آخر فيه مصلحة عامة للخلق فقال : { اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ } ([4]) . وليس هذا من باب سؤال الإمارة المنهي عنها، والتي جاءت في حديث عبد الرحمن بن سمرة عند مسلم ، أن رسول الهل صلى الله عليه وسلم قال له : ( يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها من مسألة وُكِلت إليها، ,وإن أعطيتها من غير مسألة أُعنت عليها ) .
وليس هذا أيضاً من باب تزكية النفس ؛ بل هذا من باب النفع العام للخلق، ومعرفته –عليه السلام- من نفسه الكفاية والأمانة والحفظ والإصلاح ([5]).
ويستفاد من هذه الآية، أن المسلم لا يحرص على طلب الإمارة، أو تسنم المناصب القيادية ونحو ذلك، إلا أن يجد من نفسه قدرة وكفاية وأمانة، و لا يكون هناك من يقوم بالواجب غيره، فعندئذ ليطلبها وليسأل الله العون، وليحذر من التأويلات المسوغة له الإقدام على طلب المناصب، فإنه إن سألها وُكِل إليها، كما جاء في الحديث .

14- فائدة جليلة من قوله تعالى : ( إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي ) .
الإنسان تطمح نفسه لنيل مراتب، أو تحصيل علم، أوتحصيل منفعه دينية أو دنيوية. ولكن ليس كل ما تمناه المرء مدركه، ولله في منع الناس من نيل بعض مبتغاهم حكم، فلله الأمر من قبل ومن بعد . ولا ينبغي الحزن على ما لم يتحقق من الأماني، بل تُسلى النفس بما أنعم الله عليها من النعم الدينية والدنيوية فذلك أدعى لسكون النفس وراحتها . وفي هذا المقام نسوق كلاماً نفيساً للشيخ عبد الرحمن بن سعدي –رحمه الله – فقال : ينبغي لمن طمحت نفسه لما لا قدرة له عليه، أو غير ممكن في حقه ، وحزنت لعدم حصوله أن يسليها بما أنعم الله به عليها مما حصل له من الخير الإلهي الذي لم يحصل لغيره؛ ولهذا لما طمحت نفس موسى عليه السلام إلى رؤية الله تعالى وطلب ذلك من الله، فأعلمه الله أن ذلك غير حاصل له في الدنيا وغير ممكن ، سلاّه بما أتاه فقال { يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا ءَاتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ } ([6]). أهـ ([7]) .

15- الرؤيا من العلوم الشرعية التي لا يفتى فيها إلا بعلم .
قال بن سعدي –رحمه الله- : أن علم التعبير من العلوم الشرعية ، وأنه يثاب الإنسان على تعلمه وتعليمه، وأن تعبير الرؤيا ، داخل في الفتوى، لقوله [أي يوسف عليه السلام] للفتيين : { قضي الأمر الذي فيه تستفتيان } وقال الملك : { أفتوني في رؤياي } . وقال الفتى ليوسف : { أفتنا في سبع بقرات } الآية . فلا يجوز الإقدام على تعبير الرؤيا من غير علم . أهـ ([8]) .
قلت : وفي هذا الزمن، كثر المعبرون، وتناقل الناس رؤى عجيبة، وإخبارٌ عن وقائع ستحدث في تواريخ محدده،وهو بابٌ من أبواب الكهانة لا تعبير الرؤيا ! . وتهافت الناس على تعبير رؤاهم، وأكثرها أضغاث أحلام. وكان يكفي أحدهم إن رأى ما يسره أخبر بها من يحب، وإن رأى سوءً تعوذ بالله من شرها وتفل عن يساره ثلاثاً، وهي لا تضره بعد ذلك كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ( الرؤيا الحسنة من الله فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث به إلا من يحب وإذا رأى ما يكره فليتعوذ بالله من شرها ومن شر الشيطان وليتفل ثلاثا ولا يحدث بها أحدا فإنها لن تضره ) ([9]) .

16- دفع الإنسان التهمة عن نفسه طريقة شرعية .
لا يخلو المرء أن يتعرض لبعض المواقف والتي قد تثير الريبة فيه عند الآخرين، وسواء كان هذا الموقف شكاً وريبة، أو أمراً شاع عند الناس وتناقلوه كالخبر المصدق؛ وأيهما كان فإن المرء مطالب بدفع التهمة عن نفسه بكل ما يستطيع وبكل وسيلة، ويظهر هذا في قصة يوسف عليه السلام، فإنه قد حُبس في السجن ومكث فيه مدة طويلة ظلماً، ولما عبّر رؤيا الملك، وأمر الملك بإطلاق سراحه وجاءه البشير، أبي الخروج إلا بعد ثبوت براءته، وهو من باب دفع التهمة عن النفس . قال تعالى : { وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ(50)قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} ([10]) . وفي موقف يوسف هذا ظهور فضيلة ومنقبة له –عليه السلام- حيث أن لبثه في السجن تلك المدة الطويلة، لم تدفعه للخروج من السجن، حتى تندفع التهمة عن نفسه .
وثمة موقف آخر لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم فعن علي بن الحسين رضي الله عنهما أن صفية زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان فتحدثت عنده ساعة ثم قامت تنقلب فقام النبي صلى الله عليه وسلم معها يقلبها حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة مر رجلان من الأنصار فسلما على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم على رسلكما إنما هي صفية بنت حيي فقالا سبحان الله يا رسول الله وكبر عليهما فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا ([11]) . فقوله صلى الله عليه وسلم : (على رسلكما إنما هي صفية بنت حيي) هو من باب دفع التهمة عن النفس . ومهما كان المرء واثقاً من نفسه فإن الطريق الشرعية هي التي سلكها أنبياء الله من قبل محمد ويوسف عليهما الصلاة والسلام .

17- التأني والتثبت قبل الإقدام يقي من الندامة .
ومن أظهر المواقف في هذا قصة نبي الله سليمان مع الهدهد، فإن الهدهد لما أخبره بشرك بلقيس وقومها، وسجودهم للشمس وعبادتهم لها من دون الله، تأنى سليمان عليه السلام، ولم يعاجلهم بغزو أو نحو ذلك بل قال : {قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} ([12]) . ثم أرسل مع الهدهد رسالة يدعوهم إلى الإيمان بالله وعبادته وحده .
والله سبحانه أمر عباده بالتثبت والتبين إن جاءهم فاسق بنبأ، وأن لا يتعجلوا حتى يتيقنوا من صحة الخبر فقال تعالى :
{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ }([13]) . وكم تعجل أناس في أمور فأعقبهم ذلك ندماً شديداًَ، وتمنوا أن لو تثبتوا وتيقنوا .

18- المؤمِّن على الدعاء شريك للداعي .
ونستفيد هذا الحكم من دعاء موسى على فرعون وقومه، فقال موسى :
{ رَبَّنَا إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيم} ([14]). قال الله تعالى مخاطباً موسى وهارون : { قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ } ([15]) . فكان الدعاء من موسى، وكان استجاب الدعاء من موسى وهارون، قال العلماء: كان موسى يدعو وكان هارون –عليهما السلام- يؤمن على دعائه، وهذا دليل على أن المؤمن على الدعاء شريك للداعي .

19- ختم الدعاء بما يناسب حال الداعي.
من آداب الدعاء، أن يسلك الداعي في سؤاله ربه سبيل التذلل والخضوع، وأن ينتقي الألفاظ المناسبة التي تناسب حاله وحاجته، فهو أدعى لقبول دعائه، وإجابته سؤله . وتلك كانت طريقة الأنبياء والرسل، فهذا أيوب عليه السلام بعد أن مسه النصب والضر يدعو ربه برحمته أن يرفع عنه الضر والمرض: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ(83)} ([16]) . وزكريا عليه السلام لما حُرم الولد تضرع إلى مولاه أن يرزقه الذريه ووصفه بأنه خير الوارثين : {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ} ([17]) . وموسى عليه السلام لما فر هارباً من مصر متوجهاً إلى مدين، وكان لا يملك شيئاً، وكان من أمره ماكان مع المرأتين اللتين سقى لهما ثم : { تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ } ([18]) . فسأل الله مبيناً حاله وأنه فقير إلى الخير الذي يأتيه من مولاه ! .

20- تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة .
لما كان من يونس – عليه السلام- من أمره ماكان وابتلاه الله بأن يمكث في بطن الحوت ما شاء، ولما كان يونس مسبحاً لله ذاكراً لله في وقت الرخاء، هون عليه أمره في الشده، ورفع عنه الابتلاء.
{ فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ(143)لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ }([19]) . يقول ابن كثير على هذه الآية : قيل لولا ما تقدم له من العمل في الرخاء ... ([20]) . وقال القرطبي : أخبر الله عز وجل أن يونس كان من المسبحين ، وأن تسبيحه كان سبب نجاته، ولذلك قيل: إن العمل الصالح يرفع صاحبه إذا عثر . أهـ ([21]) .
وفي هذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده أمامك تعرف إليه في الرخاء يعرفك في الشدة) ([22]) .
وحريٌ بنا الإتساء بالأنبياء، فنضرع إلى الله غدوة وعشية، ونتعرف إليه في الرخاء ليعرفنا في الشدة .

21- العاقبة الحميدة لمن اتقى وصبر .
وذلك أن من أتقى الله عز وجل بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وصبر على طاعة الله وعن معصيته وعلى أقدار الله المؤلمة، فإن العاقبة الحميدة له، وكان من المحسنين . وقد لقي يوسف عليه السلام من اخوته ما لقي فاتقى الله وصبر، وابتلي بالدعوة إلى الفاحشة من امرأة العزيز فاتقى الله وصبر، وحبس في السجن مدة طويلة فاتقى الله وصبر، وابتلي بالملك فاتقى الله وصبر . ولهذا لما عرف نفسه لأخوته { قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} ([23]) . فكانت العاقبة الحميدة له، جزاء على إحسانه وتقواه وصبره –عليه السلام- .
22- كتمان بعض النعم خوف الحسد أو استعمال الأسباب الدافعة للمكاره .
فالمُنعم عليه إن كان يخشى من إظهار نعمة الله عليه الحسد أو الإصابة بالعين ونحوها من المكاره، جاز له كتمانها أو استعمال ما يقوى عليه من الأسباب المشروعة لدفعها .
فمن الأول : قوله تعالى : { إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ(4)قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ(5)} ([24]) . فيعقوب عليه السلام لما رأى كرامة الله ليوسف، من خلال الرؤيا، نهاه أن يقص على إخوته تلك النعمة التي اختصها الله به، لئلا يحسدونه عليها، أو يضمروا له شراً بسببها .
والثاني : قوله تعالى : { وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ(67)وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(68)} ([25]) .
وهنا أمر يعقوب عليه السلام بنيه أن يدخلوا المدينة من أبواب متفرقه، ولا يدخلوا من باب واحد، لئلا يصابوا بالعين، وذلك لكثرتهم وحسن بهائهم ، فخشي يعقوب عليه السلام إن دخلوا من باب واحد أن يصابوا بالعين أو مكروه، وهذا من باب استعمال الأسباب الدافعه للعين ونحوها ([26]).

23- سر تكرير قصة موسى مع فرعون .
قال شيخ الإسلام بن تيمية : َثَنَّى قِصَّةَ مُوسَى مَعَ فِرْعَوْنَ ; لِأَنَّهُمَا فِي طَرَفَيْ نَقِيضٍ فِي الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فَإِنَّ فِرْعَوْنَ فِي غَايَةِ الْكُفْرِ وَالْبَاطِلِ حَيْثُ كَفَرَ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَبِالرِّسَالَةِ وَمُوسَى فِي غَايَةِ الْحَقِّ وَالْإِيمَانِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ اللَّهَ كَلَّمَهُ تَكْلِيمًا لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَاسِطَةً مِنْ خَلْقِهِ فَهُوَ مُثْبِتٌ لِكَمَالِ الرِّسَالَةِ وَكَمَالِ التَّكَلُّمِ وَمُثْبِتٌ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ بِمَا اسْتَحَقَّهُ مِنْ النُّعُوتِ وَهَذَا بِخِلَافِ أَكْثَرِ الْأَنْبِيَاءِ مَعَ الْكُفَّارِ فَإِنَّ الْكُفَّارَ أَكْثَرُهُمْ لَا يَجْحَدُونَ وُجُودَ اللَّهِ وَلَمْ يَكُنْ أَيْضًا لِلرُّسُلِ مِنْ التَّكْلِيمِ مَا لِمُوسَى ; فَصَارَتْ قِصَّةُ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ أَعْظَمَ الْقِصَصِ وَأَعْظَمُهَا اعْتِبَارًا لِأَهْلِ الْإِيمَانِ وَلِأَهْلِ الْكُفْرِ ; وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقُصُّ عَلَى أُمَّتِهِ عَامَّةَ لَيْلِهِ عَنْ بَنِي إسْرَائِيلَ وَكَانَ يَتَأَسَّى بِمُوسَى فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ وَلَمَّا بُشِّرَ بِقَتْلِ أَبِي جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ قَالَ هَذَا فِرْعَوْنُ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَكَانَ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ مِنْ الصَّابِئَةِ الْمُشْرِكِينَ الْكُفَّارِ ; وَلِهَذَا كَانَ يَعْبُدُ آلِهَةً مِنْ دُونِ اللَّهِ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ : { وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ } وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِمَا جَاءَ بِهِ مُوسَى مُسْتَيْقِنًا لَهُ لَكِنَّهُ كَانَ جَاحِدًا مَثْبُورًا كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ : { فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ } { وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا } الْآيَةَ . وَقَالَ تَعَالَى : { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ } إلَى قَوْلِهِ : { لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ } الْآيَةَ ([27]).

، والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وسلم تسليماً كثيراً ، والحمد لله رب العالمين .

[1] . القصص (26)

[2] . النمل (39)

[3] . يوسف (54)

[4] . يوسف (55)

[5] . انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (9/141-142) وتفسير ابن سعدي (4/39)

[6] . الأعراف (144)

[7] . المواهب الربانية من الآيات القرآنية (ص 40)

[8] . تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (4/77)

[9] . رواه البخاري (7044) واللفظ له، ومسلم (2261)

[10] . يوسف (50-51)

[11] . روه البخاري واللفظ له (2035) ومسلم (2175)

[12] . النمل (27)

[13] .الحجرات (6)

[14] . يونس (88)

[15] . يونس (89)

[16] . الأنبياء .

[17] . الأنبياء (89)

[18] . القصص (24)

[19] . الصافات (143-144)

[20] . تفسير بن كثير سورة الصافات آية 143

[21] .تفسير القرطبي (سورة الصافات آية 143)

[22] . رواه أحمد (2800) والترمذي (2516)

[23] . سورة يوسف (90)

[24]. سورة يوسف .

[25] . يوسف .

[26] . انظر تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لابن سعدي (4/79)

[27] . الفتاوى (12/9)

التوقيع

[flash=http://www.shwatei.com/up/uploads/13320935971.swf]WIDTH=600 HEIGHT=300[/flash]