عرض مشاركة واحدة
  #9  
قديم 2012-04-09, 08:42 PM
الهندى نانو الهندى نانو غير متواجد حالياً
:: سائح مميز ::
 



رد: الفوائد والعبر من قصص الأنبياء

والشاهد هنا قوله تعالى : { لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ } : وهذه السكرة، سكرة محبة الفاحشة، التي لا يبالون معها بعذل ولا لوم ([1]) .

8- حال الداعي مع المدعو .
أ- اللين في الخطاب الدعوي .
ونلمح ذلك في أمر الله لموسى وهارون أن يُلينا في القول لفرعون : {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} ([2]) . ففرعون مع جبروته وعلوه وظلمه، إلا أن اللين في الدعوة قد يزيل قسوة القلب . وثمة موقف آخر، وهو موقف إبراهيم –عليه السلام- من أبيه (آزر) الذي آثر الشرك والتنديد على التوحيد، ومع ذلك نرى خطاب إبراهيم عليه السلام لأبيه من ألين القول وأرقه : {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا(41)إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا(42)يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا(43)يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا(44)يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا(45)}([3]).
وكذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كانت يدعو قومه ويلين لهم الكلام والخطاب، ويجادلهم بالتي هي أحسن، حتى يرغبهم في دين الله .
ب-الاستمرار في الدعوة وعدم اليأس .
وهذا حال الداعي المسلم المتأسي بأنبياء الله ورسله، فإنه يستمر على دعوة الناس والصبر على أذاهم، وتحمل المشاق في ذات الله، كما كانت الأنبياء والرسل تفعل ، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم سلف -بأبي هو وأمي -وخير سلف .
ولنستمع إلى عائشة رضي الله عنها وهي تسوق ما أخبرها به النبي صلى الله عليه وسلم عن إيذاء قومه له وصبره عليهم وعدم يأسه منهم : (قالت للنبي صلى الله عليه وسلم هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد قال لقد لقيت من قومك ما لقيت وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال يا محمد فقال ذلك فيما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فقال النبي صلى الله عليه وسلم بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا) ([4]) .
ت- إذا استبان للداعي حال المدعو من الصدود والإعراض فلا أسف ولا حزن عليه .
فالدعاة إلى الله، يدعون الخلق امتثالاً لأمر ربهم، وشفقة عليهم من أن تزل بهم الأقدام فيخسرون الدنيا والآخرة . والداعي إن استفرغ وسعه، نصحاً ووعظاً وتذكيراً بالله، ثم أصر المدعو على غيه وبطره، وأعرض عن الحق ، فلا ينبغي حينئذ للداعي أن يأسف أو يأخذه الحزن كل مأخذ؛ لأن الحزن يفوت على الداعي أموراً كثيرة؛ بل قد يترك هذا الطريق لما يراه من إعراض المدعوين .
ونوح عليه السلام استمر يدعو قومه طويلاً ليلاً ونهاراً سراً وجهاراً فقال : { قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا(5)فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا(6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي ءَاذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا(7)ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا(8)ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا(9) } ([5]) . ولكنهم أصروا على عنادهم واستكبارهم، ولما رأى نوح عليه السلام من قومه الصدود والعناد والاستكبار، بعد أن مكث يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، دعا عليهم ولم يبال بهم ولم يأسف عليهم : { وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا(26)إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا(27)} ([6]) . فاستجاب الله دعائه وأغرق المكذبين من قوم نوح .
وفي قوله تعالى : {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى ءَاثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} ([7]) . وقوله : {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} ([8]) .
يقول ابن سعدي : ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم، حريصاً على هداية الخلق، ساعياً في ذلك أعظم السعي، فكان صلى الله عليه وسلم ، يفرح ويسر بهداية المهتدين، ويحزن ويأسف على المكذبين الضالين، شفقة منه صلى الله عليه وسلم، عليهم ورحمة بهم، أرشده الله أن لا يشغل نفسه بالأسف على هؤلاء، الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، كما قال في الأخرى . {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}( [9]) . وقال : { فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ } وهنا قال { فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ } أي : مهلكها، غماً وأسفاً عليهم، وذلك أن أجرك قد وجب على الله .
وهؤلاء لو علم الله فيهم خيراً ، لهداهم . ولكنه علم أنهم لا يصلحون إلا للنار، فلذلك خذلهم ، فلم يهتدوا، فإشغالك نفسك غماً وأسفاًَ عليهم، ليس فيه فائدة لك ، وفي هذه الآية([10]) ونحوها عبرة :
فإن المأمور بدعاء الخلق إلى الله، عليه التبليغ، والسعي بكل سبب يوصل إلى الهداية، وسد طرق الضلال والغواية بغاية ما يمكنه ، مع التوكل على الله في ذلك، فإن اهتدوا فبها ونعمت، وإلا فلا يحزن ولا يأسف . فإن ذلك مُضعف للنفس، هادم للقوى ، ليس فيه فائدة، بل يمضي على فعله، الذي كُلف به وتوجه إليه . وما عدا ذلك فهو خارج عن قدرته . اهـ ([11]).

9- الإيمان بموعود الله، وأن الله ناصر رسله وعباده الصالحين .
فإن الداعي الموحد المتقي المخلص لربه وإن ضاقت عليه السبل، وصدت في وجهه الأبواب، ورمته الناس عن قوس واحدة، فمهما بلغت به الحال فإن الله ناصره ومؤيده والعاقبة له . {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} ([12]) ، {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} ([13]) . وموسى عليه السلام لما خرج ببني إسرائيل من مصر، و اتبعهم فرعون، ورأي بنو إسرائيل جيش فرعون خافوا على أنفسهم وقالوا : { إِنَّا لَمُدْرَكُونَ(61)} ([14])قال موسى واثقا بموعود ربه وأنه الله لا يخزي رسله أبداً { كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ(62)}. ففرج الله عن رسوله هذه الشدة ونجى نبيه ومن معه من المؤمنين وأهلك فرعون وقومه الظالمين {فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ(63)وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ(64)وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ(65)ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ} ([15]) .


10- الإنكار وإن كان قليلاً لا بد أن يعمل عمله في النفوس .
لا ينبغي للمسلم أن يترك إنكار المنكرات، ولا يقلل من شأن الكلمات القليلة، فإنها إن خرجت من قلب مخلص ناصح، يبتغي بذلك رضى الله، عملت عملها في نفس المنكر عليه . ولا أدل على ذلك من إنكار موسى عليه السلام لجموع السحرة التي جاءت بسحرها العظيم، لإطفاء نور الله، فقال لهم موسى عليه السلام : { وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى} ([16]) . فأحدثت هذه الكلمة أثراً في أنفس السحرة، وعملت عملها فيهم، ووصف الله سبحانه وتعالى حالهم بعد الإنكار عليهم فقال : {فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى} ([17]) . يقول ابن سعدي : وكلام الحق لا بد أن يؤثر في القلوب، لاجرم، ارتفع الخصام والنزاع بين السحرة، لما سمعوا كلام موسى ، وارتبكوا . ولعل من جملة نزاعهم، الاشتباه في موسى، هل هو على الحق أم لا ؟ .. اهـ ([18])

11- الاستفادة من كل فرصة تسنح للداعية في الدعوة إلى الله .
على الداعي إلى الله أن يوظف كل الإمكانات في سبيل الدعوة إلى الله، وأن يستغل كل الفرص في الدعوة إلى ربه، ولا يحقر من ذلك شيئاً، وفي قصة يوسف عليه السلام مع صاحبي السجن أبلغ الأثر في استفادة الداعية من كل الفرص . قال تعالى حاكيا ً قصة يوسف في السجن : {وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ(36)قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37)وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءَابَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ(38)يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ(39) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} ([19]) .
فانظر إلى يوسف عليه السلام لما سأله الفتيان عن تأويل رؤياهما، أجابهما أولاً بما هو أنفع لهما وهو الدعوة إلى توحيد الله ونبذ الشرك، وعبادة الله وحده، ثم لما بين التوحيد لهما ودعاهما إلى عبادة الله وحده ، قص عليهما تأويل الرؤيا . وهذه فائدة يستفيد منها المفتون والمعلمون والدعاة إلى الله .
قال ابن سعدي : ومن فطنته عليه السلام ، أنه لما رأى فيهما قابلية لدعوته، حيث ظنا فيه الظن الحسن وقالا : {إنا نراك من المحسنين } وأتياه لأن يعبر لهما رؤياهما ، فرآهما ، متشوقين لتعبيرها عنده – رأى ذلك فرصة، فانتهزها، فدعاهما إلى الله تعالى ، قبل أن يعبر رؤياهما ليكون أنجح لمقصوده، وأقرب لحصول مطلوبه أ هـ ([20]) .

[1] . تفسير ابن سعدي (4/173)

[2] . طه (44)

[3] . مريم .

[4] . رواه البخاري واللفظ له (3231 ، ) ومسلم (1795)

[5] . نوح (4-9)

[6] . نوح .

[7] . الكهف (6)

[8] . فاطر(8)

[9] . الشعراء (3)

[10] . الآية السادسة من سورة الكهف .

[11] . تفسير ابن سعدي (5/8-9)

[12] . غافر (51)

[13] . القصص (83)

[14] . الشعراء(61)

[15] . الشعراء (63-66)

[16] . طه (61)

[17] . طه (62)

[18] . تفسير ابن سعدي (5/168)

[19] . يوسف (36-40)

[20] . تفسير ابن سعدي (4/75)

التوقيع

[flash=http://www.shwatei.com/up/uploads/13320935971.swf]WIDTH=600 HEIGHT=300[/flash]