عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 2009-09-15, 03:48 AM
فخر بغداد فخر بغداد غير متواجد حالياً
:: في اجازة مفتوحة ::
 



كــذبات أمـــي الثمانـية

السلامُ عليكُم ورحمــةــ اللهِــ وبركاتُهـ


ليس دائما ً: تقول أمي الحقيقة !!..



ثماني مرات : كذبت أمي عليّ !!!...





تبدأ القصة عند ولادتي ، فكنت الابن الوحيد في أسرة شديدة الفقر



فلم يكن لدينا من الطعام ما يكفينا ....



وإذا وجدنا في يوم من الأيام بعضا ًمن الأرز لنأكله ويسد جوعنا :



كانت أمي تعطيني نصيبها .. وبينما كانت تحوِّل الأرز من طبقها إلى



طبقي كانت تقول : يا ولدي تناول هذا الأرز ، فأنا لست جائعة ..




وكانت هذه كذبتها الأولى


وعندما كبرت أنا شيئا قليلا كانت أمي تنتهي من شئون المنزل وتذهب



للصيد في نهر صغير بجوار منزلنا ، وكان عندها أمل أن أتناول سمكة قد



تساعدني على أن أتغذى وأنمو ، وفي مرة من المرات استطاعت بفضل



الله أن تصطاد سمكتين ، أسرعت إلى البيت وأعدت الغذاء ووضعت



السمكتين أمامي فبدأت أنا أتناول السمكة الأولى شيئا فشيئا ، وكانت أمي



تتناول ما يتبقى من اللحم حول العظام والشوك ، فاهتز قلبي لذلك ،



وضعت السمكة الأخرى أمامها لتأكلها ، فأعادتها أمامي فورا وقالت :



يا ولدي تناول هذه السمكة أيضا ، ألا تعرف أني لا أحب السمك ..


وكانت هذه كذبتها الثانية



وعندما كبرت أنا كان لابد أن ألتحق بالمدرسة ، ولم يكن معنا من المال




ما يكفي مصروفات الدراسة ، ذهبت أمي إلى السوق واتفقت مع موظف بأحد




محال الملابس أن تقوم هي بتسويق البضاعة بأن تدور على المنازل




وتعرض الملابس على السيدات ، وفي ليلة شتاء ممطرة ، تأخرت أمي في




العمل وكنت أنتظرها بالمنزل ، فخرجت أبحث عنها في الشوارع المجاورة ،




ووجدتها تحمل البضائع وتطرق أبواب البيوت ، فناديتها : أمي ، هيا نعود




إلى المنزل فالوقت متأخر والبرد شديد وبإمكانك أن تواصلي العمل في الصباح ،




فابتسمت أمي وقالت لي : يا ولدي.. أنا لست مرهقة ..





وكانت هذه كذبتها الثالثة


وفي يوم كان اختبار آخر العام بالمدرسة ، أصرت أمي على الذهاب معي ،



ودخلت أنا ووقفت هي تنتظر خروجي في حرارة الشمس المحرقة ،



وعندما دق الجرس وانتهى الامتحان خرجت لها فاحتضنتني بقوة ودفء



وبشرتني بالتوفيق من الله تعالى ، ووجدت معها كوبا فيه مشروب كانت



قد اشترته لي كي أتناوله عند خروجي ، فشربته من شدة العطش حتى ارتويت ،




بالرغم من أن احتضان أمي لي : كان أكثر بردا وسلاما ، وفجأة نظرت




إلى وجهها فوجدت العرق يتصبب منه ، فأعطيتها الكوب على الفور وقلت لها :




اشربي يا أمي ، فردت : يا ولدي اشرب أنت ، أنا لست عطشانة ..




وكانت هذه كذبتها الرابعة



وبعد وفاة أبي كان على أمي أن تعيش حياة الأم الأرملة الوحيدة ، وأصبحت




مسئولية البيت تقع عليها وحدها ، ويجب عليها أن توفر جميع الاحتياجات ،




فأصبحت الحياة أكثر تعقيدا وصرنا نعاني الجوع ، كان عمي رجلا طيبا




وكان يسكن بجانبنا ويرسل لنا ما نسد به جوعنا ، وعندما رأى الجيران




حالتنا تتدهور من سيء إلى أسوأ ، نصحوا أمي بأن تتزوج رجلا ينفق




علينا فهي لازالت صغيرة ، ولكن أمي رفضت الزواج قائلة :




أنا لست بحاجة إلى الحب ..



وكانت هذه كذبتها الخامسة



وبعدما انتهيت من دراستي وتخرجت من الجامعة ، حصلت على وظيفة




إلى حد ما جيدة ، واعتقدت أن هذا هو الوقت المناسب لكي تستريح أمي




وتترك لي مسؤولية الإنفاق على المنزل ، وكانت في ذلك الوقت لم يعد




لديها من الصحة ما يعينها على أن تطوف بالمنازل ، فكانت تفرش فرشا




في السوق وتبيع الخضروات كل صباح ، فلما رفضت أن تترك العمل




خصصت لها جزءا من راتبي ، فرفضت أن تأخذه قائلة :




يا ولدي احتفظ بمالك ، إن معي من المال ما يكفيني ..


وكانت هذه كذبتها السادسة



وبجانب عملي واصلت دراستي كي أحصل على درجة الماجيستير ،




وبالفعل نجحت وارتفع راتبي ، ومنحتني الشركة الألمانية التي أعمل بها




الفرصة للعمل بالفرع الرئيسي لها بألمانيا ، فشعرت بسعادة بالغة ،




وبدأت أحلم ببداية جديدة وحياة سعيدة ، وبعدما سافرت وهيأت الظروف ،




اتصلت بأمي أدعوها لكي تأتي للإقامة معي ، ولكنها لم تحب أن تضايقني




وقالت : يا ولدي .. أنا لست معتادة على المعيشة المترفة ...




وكانت هذه كذبتها السابعة






كبرت أمي وأصبحت في سن الشيخوخة ، وأصابها مرض السرطان اللعين ،




وكان يجب أن يكون بجانبها من يمرضها ، ولكن ماذا أفعل فبيني وبين




أمي الحبيبة بلاد ، تركت كل شيء وذهبت لزيارتها في منزلنا ، فوجدتها




طريحة الفراش بعد إجراء العملية ، عندما رأتني حاولت أمي أن تبتسم لي




ولكن قلبي كان يحترق لأنها كانت هزيلة جدا وضعيفة ، ليست أمي




التي أعرفها ، انهمرت الدموع من عيني ولكن أمي حاولت أن تواسيني




فقالت : لا تبكي يا ولدي فأنا لا أشعر بالألم ...


وكانت هذه كذبتها الثامنة




وبعدما قالت لي ذلك ، أغلقت عينيها ، فلم تفتحهما بعدها أبدا ...



ــــ




إلى كل من ينعم بوجود أمه في حياته :




حافظ على هذه النعمة قبل أن تحزن على فقدانها ...




وإلى كل من فقد أمه الحبيبة :




تذكر دائما كم تعبت من أجلك ، وادع الله تعالى لها بالرحمة والمغفرة..

مما رااق لي

فخر بغداد




التوقيع

كن من تكن ف أنت من

ترآآب