عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 2012-01-04, 03:29 AM
ابن الحله ابن الحله غير متواجد حالياً
:: سائح جديد ::
 



طبقات المجتمع الفرعوني وامتدادها عبر التأريخ


النظام الفرعوني هو عبارة عن استبداد فردٍ، أو عائلةٍ، أو طبقةٍ من طبقات المجتمع، وتفرُّدها بالحكم، وبمقدَّرات المجتمع، واستحواذها على كلِّ شؤونه وخيراته. عندما يكون الأمر كذلك فالنظام يكون حينئذٍ -باصطلاح القرآن الكريم- نظاماً فرعونياً، وهو ما يساوق -حسب المصطلح الحديث- النظام الدكتاتوريّ الاستبدادي.
وقد تحدَّث القرآن الكريم في آيات كثيرة عن ظاهرة النظام الفرعوني، و استعرض في آياتٍ عديدة هذا النظام، وانعكاساته، ومضاعفاته على الأمة، وعلى المجتمع. وأكَّد في محصِّل ما أفاده في ذلك على أنَّ النظام الفرعوني نظام اجتماعي منحرف يسوق المجتمعات والأمم إلى الانحدار على خلاف ما يقتضيه خطُّ الرسالات من العمل على الارتقاء بالمجتمع والفرد إلى مستوى الكمال الإنساني.
ففي المعجم المفهرس للقرآن الكريم، نجد أن مفردة فرعون قد ذكرت أربعا وسبعين مرة، خلال ستٍّ وعشرين سورة من القرآن الكريم، أي تخللت كل القرآن من الجزء الأول في سورة البقرة وإلى الجزء الثلاثين في سورة الفجر في جزء عمّ، وهذا ينبئ عن الأهمية القصوى التي يوليها القرآن لفرعون كرأس للسلطة السياسية، وقوم فرعون، وملئه، وهم تعبير يختلف عن قومه، وهناك ذكر حتى لأسرار البيت الفرعوني وتفاعلاته الداخلية، وعرض لمختلف الشرائح في المجتمع الفرعوني، عرض مُتشعّب وكثيف ومتكرر من خلال عشرات المقاربات والمواقف، لخطورته وأهميته في تشكيل مستقبل الإنسانية.
قال تعالى: «إن فرعون علا في الأرض، وجعل أهلها شيعا»، هذه إشارة دائمة في المجتمع الفرعوني، وهي تمزيق المجتمع، واستعداء فئة على فئة، جعل الحاضر حالة جيولوجية دائمة، غير قابلة للتغيير، حتى يبقى فرعون على رأس مجتمعه، يدمّر كل إمكانات المجتمع، وعلاقاته، ويغرق الناس بصراعات داخلية، ويلهي الناس بالهم اليومي، ويفقدون أمنهم، وسلامهم، وبالتالي الإنسان في المجتمع الفرعوني إنسان مقلد، نسخة باهتة، من دون ابداع، مهدورة كل إمكاناته في ساحة علاقاته مع الطبيعة، وبمقارنة بسيطة بين عدد الاختراعات في الدول العربية مجتمعة وأي دولة غربية، نكتشف الفرق المهول والمخجل في الإمكانات المهدورة، وهجرة العقول العربية ظاهرة صارخة على المجتمع الفرعوني.
إذا الفرعونية تصلح كنموذج تفسيري لواقع كل المجتمعات البشرية، ويمكن أن يكون فرعون نقطة مرجعية، معيارا، فنقول النظام الفلاني فيه عشرة بالمائة من الفرعونية، والدولة الفلانية تحقق خمسين بالمائة ضمن هذا النموذج، وهكذا نستطيع أن نقدم أداة أصيلة في دراسة المجتمعات البشرية عامة والمجتمعات العربية.
طوائف المجتمع الفرعوني:
الطائفة الأولى: الظالمون المُستَضعَفون، وهي الفئة التي تشكل الحماية والسند للفرعونية.
الطائفة الثانية: الملأ، وهم الحاشية المتملقة، الصوت الذي يستبطن ما يريد فرعون، فهم دائما على مستوى رغبات فرعون وشهواته، هم فرعونيون أكثر من فرعون، ملكيون أكثر من الملك، هم مفكرو فرعون وأبواقه، وإعلاميوه، هم أمناء للنموذج الفرعوني، ويريدون من فرعون أن يكون نموذجيا في فرعنته.
أما الطائفة الثالثة: فهي الأغلبية الصامتة- حسب التعابير الحديثة-، آلات، هياكل بشرية، عقول مبرمجة، ينعق بما لا يسمع، خارج دائرة أي ممارسة نقدية، لا تشعر بالظلم، فهي حالة من الطاعة العمياء، ومجرّدة من أي حالة إبداع، الإبداع يكون في إدارتها، في توجيهها، وقالوا: «ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا، فأضلونا السبيلا».
هؤلاء هم بيت القصيد في المشروع الفرعوني، فهم الذين تحاول السياسات الفرعونية زيادتهم، وهؤلاء خارج أي وعي أو بصيرة، لا يعرفون الدفاع عن مصالحهم ولا عن مجتمعاتهم، وعددهم ونسبتهم في المجتمع مقياس ودلالة على موت مجتمع ما.
الطائفة الرابعة: هم أولئك الذين يعرفون الحقيقة الفرعونية، وليسوا كالفئة السابقة، ولكنهم فئة سلبية، غير معنية برفع مستوى مجتمعاتها، يعيشون حالة أبعد ما تكون عن الإبداع؛ الذي قوامه الممارسة النقدية، والقدرة على الرؤية، هؤلاء الذين ذكروا في قصة أصحاب السبت وكان خطابهم للفاعلين في وعظ قومهم، (لِمَ تعظون قوما الله مُهلِكُهم؟)، وهؤلاء يسمّيهم القرآن (ظالمي أنفسهم) في الآية (إن الذين توفَّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم، قالوا فيمَ كنتم؟ قالوا: كنا مستضعفين في الأرض، قالوا: ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها؟!)
الطائفة الخامسة: هي الطائفة التي تتهرّب من مسرح الحياة، وهي على نوعين حسب تعبير السيد محمد باقر الصدر- رحمه الله-: الرهبانية الجادة؛ (ورهبانية ابتدعوها)، وهذه رهبانية مرفوضة في القرآن لأنها ذات موقف سلبي من مسؤولية خلافة الإنسان في الأرض. والنوع الثاني: رهبانية مفتعلة، وهي التي توظف الدين في خدمة الفرعونية، في خدمة السلاطين، في خدمة الظلم، وهؤلاء الذين يلبسون على الناس دينهم ودنياهم، هؤلاء الذين يهمسون في أنفس الناس: هذا قدر الله، هذه سنّة الحياة، لكم الآخرة حيث تجدون كل ما تريدون، لا تنافسوهم في دنياهم، لا تعدل الدنيا عند الله جناح بعوضة... الخ. « إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله»، هؤلاء الذين يفصّلون الفتاوى التي تؤسس للظلم، وللمساعدة على الظلم.
الطائفة السادسة: تمثل المستضعفين، وليسوا الضعفاء كما قد يتبادر إلى الذهن، لو كانوا ضعفاء لما نكَّل بهم فرعون، ولكنهم بالممارسة الفرعونية مستضعفون، هؤلاء المستضعفون هم الذين يرى فرعون فيهم إطارا بديلا له، لذا ينكل بهم، (ونريد أن نمُنّ على الذين اسُتضعِفوا في الأرض، ونجعلهم أئمة، ونجعلهم الوارثين)، فرعون يرى هذه الوراثة له، لذا يحاول أن يؤبد الحاضر، لأن المستقبل قطعا ليس له


التوقيع

اياك وظلم من لم يجد عليك ناصرا سوى الله
الامام الحسين ع