عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 2011-12-06, 08:30 AM
خالد الياقوت خالد الياقوت غير متواجد حالياً
 



رد: الهجرة أسرار وأنوار

الهجرة والثبات على المبدأ

يقول الله فى حديثه القدسى {من ترك لأجلي أعطيته فوق المزيد ومن أراد رضاي أردت ما يريد ومن تصرف بحولي وقوتي ألنت له الحديد أهل ذكري أهل مجالستي وأهل شكري أهل زيادتي وأهل طاعتي أهل كرامتي وأهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي إن تابوا إلي فأنا حبيبهم فإني أحب التوابين وأحب المتطهرين لم يتوبوا إلي فأنا طبيبهم أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعايب}[1]ونحن في مطلع عام هجري جديد نقف وقفة قصيرة مع هجرة النبي الأمين نستلهم منها العبرة في حياتنا والمثل الصادق في أخلاقنا والمثال المتفرد في علاقتنا مع خالقنا وإلهنا عملاً بقول الله عز شأنه{لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ}نسمع اليوم وكل يوم من ييئس الناس من حياتهم الإيمانية ويدعوهم إلى التكاسل والتواني في تنفيذ الشريعة الربانية ويتعلل ويقول: قلَّ المخلصون وندر المساعدون ولا يستطيع الإنسان أن يقوم بمفرده بتنفيذ أوامر الله والعمل بشرع مولاه ولمثل هؤلاء كانت عظتنا في حادثة الهجرة النبوية الشريفة فالرسول وصحبه الكرام ضربوا لنا المثل الأعلى في التمسك بالحق والسير على منهج الصدق ولم يلفته أحد عن دعوة الله فقد عرضوا عليه المال فأباه وعرضوا عليه الملك فلم يرضاه وجاءوا له بكل وسيلة من وسائل الرفعة في الحياة فقال قولته المشهورة لعمه{والله يا عمي لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه}صمّم على تنفيذ أمر الله ولم يعبأ بكل ما جهزه له أعداء الله اعتماداً على مولاه وتحصناً بحصون كتاب الله واعتزازاً بشرع الله فصدق فيه قول الله عزَّ شأنه{وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} وحسبه أى كافيه ولذا كفاه الله كل هم وفرج عنه كل غم وأعلا شأنه على مدى دروب هذه الحياة وجعله أعلى الخلق شأناً ومقاماً يوم نلقى الله تبارك وتعالى فكان تأييد الله وإعزاز الله له ونصر الله له مثلاً لنا أجمعين أن من يتمسك بشرع الله ويستمسك بهدي كتاب الله ويتحصن بسنة رسول الله ولا يبالي بمن يعارضه ولا يهتم بمن يناوؤه فإن الله يؤيده ويعضده ويساعده وينصره كما فعل بحبيبه فقد اجتمع حول بيته أربعون رجلاً معهم السيوف المدججة متأهبين لخروجه لينزلوا عليه بضربة واحدة فخرج من بينهم وهم يقولون لبعضهم: إن محمداً يزعم أنه ستفتح له جنان الأردن يعني (بساتين)وخزائن فارس وأن من يتبعه سيتمتع بتلك الجنان ويأخذ نصيبه من هذه الخزائن فخرج عليهم وقال: نعم أنا أقول هذا وأخذ حفنة من التراب ومرّ بها على جميعهم ووضعها على رؤوسهم ولم ينظروه ولم يروه ولم يسمعوه لأن الله أخذ بأسماعهم وأبصارهم عن رؤيته وسماعهe وكان السلاح الفعال في هذا المجال{فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ }وجاء المرور بقيادة أبي جهل فقال لهم: ماذا تنتظرون؟قالوا: خروج محمد قال خيّبكم الله لقد خرج وترككم وما ترك رجلاً منكم إلا ووضع التراب على رأسه ثم ذهب إلى الغار فكانت عناية الواحد القهار بأن أمر النبات أن يخرج في الحال نبتة على باب الغار تسده وأمر كتيبة من العنكبوت تنسج على هذه الشجرة على باب الغار وأمر يمامتين وحشيتين أن تصنعا عشاً على رأس هذه الشجرة وتبيضا فيه حتى لا يعلم الأعداء ما فيه لأن الله تعهد بذلك فقال{إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ} ومن ينصره الله لا يستطيع أحد أن يصل إليه بأذى لأنه في وقاية الله وكفالة الله وعناية الله وحماه الله في الطريق عندما لحق به سراقة وقال له ربه: الأرض طوع أمرك فمرها بما شئت. فعندما اقترب منه وقال أبو بكر يا رسول الله إنا لمدركون لا محالة قال{لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا}ثم قال: يا أرض خذيه فانشقت الأرض وابتلعت الفرس وأمسكت بنصفه الأسفل مع قدمي سراقة الفارس فاستغاث به وقال يا رسول الله: ادعو الله لي أن ينقذني ولا أعود فقال يا أرض اتركيه فتركته فلما أراد ثانية أن يأخذه قال: يا أرض خذيه فأخذته فكانت الأرض طوع أمره تأخذه عندما يأمرها بالأخذ وتتركه عندما يطلب منها الترك لأنه كان يتحرك بأمر الله فجعل له الله الأكوان والأملاك والأرض ومن عليها كلها مسخرة في خدمته وسمع بعض العرب بالجائزة التي أعدها أهل مكة لمن يعثر عليه وهي مائة جمل فخرجت قبيلة أسلم وكان عددها سبعين رجلاً يرأسهم بريدة بن الحصيب الأسلمي معهم السلاح من سيوف ورماح ليقبضوا عليه فيفوزوا بالجائزة.
فلما اقترب منهم قال له بريدة: من الرجل؟ قال: أنا محمد رسول الله ولم ينكر نفسه ولم يعمِّ شخصيته فما كان من أمر الله إلا أن قذف الإيمان في قلب بريدة وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وإنك عبد الله ورسوله فأسلم ومن معه من قومه وقال: يا رسول الله لا تدخل المدينة هكذا وحدك وقسم السبعين إلى فريقين وصفهما صفين صف على اليمين وصف على اليسار يحملون سيوفهم ورماحهم في عرض عسكري وتشريف رباني إلهي ثم فك عمامته وجاء برمحه وربط فيه هذه العمامة فكانت راية بيضاء حملها في مقدم الصفوف وقال: يا رسول الله أمشي أنا في المقدمة بهذه الراية وهؤلاء عن يمينك وهؤلاء عن يسارك وتمشي أنت في المؤخرة وبينما هم يتحدثون إذا بعبد الرحمن بن عوف يأتي من بلاد الشام وكان في تجارة فقال: يا رسول الله أتدخل المدينة هكذا؟ لا والله لقد اشتريت ثوبين من أثواب الملوك ولا يليقان إلا بمثلك فخذهما وألبسهما لتدخل المدينة دخول الفاتحين فلبس أثواب الملوك ودخل في هذا الجيش المحشود ليتم الله عليه نعمته ويؤيده الله بنصرته لأن الله وعده أن ينصره نصراً عزيزاً ثم دخل المدينة وكان الأنصار قد أعدوا لهذا اليوم عدته منهم من جهَّز طعاماً لحبيب الله ومنهم من جهَّز شراباً طيباً لرسول الله ومنهم من جهز تمراً ومنهم من جهز حلوى ومنهم من جهَّز فاكهة وكلهم يريد أن يمسك بناقته فقال{دَعُوهَا فًّانَّهَا مٌّامُورَة}[2]فكانت إذا مرت ببيت يهودي تمر مسرعة ولا تقف وإذا مرت ببيت أنصاري تقف بأمر الله حتى يقدم تحيته لرسول الله ومن معه بأمر الله فلما كان الموضع الذي اختاره الله لبناء مسجده وموضع إقامته أناخت بأمر الله فجاء أبو أيوب الأنصاري وحمل الرحل إلى بيته وتنافس الأنصار في ضيافة رسول الله فقال{ المرء مع رحله } ودخل إلى دار أبي أيوب فلما استقر قال: يا أبا أيوب أين الكتاب الذي تركه تبَّع؟فأسرع إلى إحضاره ما هذا الكتاب وما قصته؟ غزا تبَّع ملك اليمن المدينة قبل هجرة الرسول إليها بثلاثمائة سنة ولما همَّ بدخولها خرج إليه أحبار اليهود وقالوا: اعلم بأنك لن تتمكن من دخولها لأنها مهاجر نبي يبعثه الله في آخر الزمان فاستشار من معه من العلماء وكانوا أربعمائة عالم هم أجداد الأنصار من الأوس والخزرج فأقروا بذلك فأعطاهم مالاً وزوجهم وبنى لكل عالم منهم بيتاً وملَّكه له وبنى لكبيرهم بيتاً من دورين وسلمه له وسلمه رسالة وقال إذا هاجر نبي آخر الزمان إلى هذا المكان فهذا بيته بنيته له وهذه رسالة سلمها إليه وكتب في هذه الرسالة [3] قائلاً:
شهدت على أحمد أنه رسولاً من الله باري النسم
فلو مُدّ عمري إلى عمره لصرت نصيراً له وابن عم
وجالدت بالسيف أعداءه وفرجت عن صدره كل هم
فمنا قبائل يؤونه إذا حل فى الحل بعد الحرم
وروى أحمد عن بن سعد: { لاَ تَسُبُّوا تُبَّعاً فَإنَّهُ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ }وفى النهاية : {فأنه أوَّلُ من كسَا الكعْبة}وفى المستدرك عن عائشة: {ألم تروا أنَّ الله ذمَّ قومّه ولم يذمْه }فانظر إلى من تمسك بهدى الله واستمسك بدين الله كيف أعزه مولاه وبنى له بيتاً قبل هجرته بثلاثمائة عام أو يزيد وهيأ له من يصحبه من الرجال بالسيوف ومن يكسوه بثياب الملوك ومن يحميه من أعين الكافرين وقال في ذلك{إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ}وهكذا أمر كل مسلم وأمر كل مؤمن يتمسك بهدى الله ولا يغير شرع الله بأهوائه أو بأهواء من حوله ولا يغير مبدأ أقره الله عليه ولا ديناً أنشأه الله عليه لابد أن يعزه مولاه وينصره الله لقول الله{وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}قال{ لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ ولكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ}[4] إن نصر الله لن يتخلف عن عباده المؤمنين لأنه قال في قرآنه{وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ}وقال في كتابه {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي} وقال لنا أجمعين{إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}فليس نصر الله في الحرب فقط كما يظن البعض ولكن نصر الله هو التمسك بالأخلاق والفضائل والآداب والمثل والقيم التي أتى بها الله في أحلك ظلمات الحياة فمن تمسك بقيمة الإيمان ولم يتخلى عنها مع شدة دواعي الزمان نصره الله في كل مكان فالدين أساسه هذه القيم الإيمانية فمن زعم أن الله تخلى عنه مع إنه يحافظ على الصلوات في وقتها ويتلو القرآن ويذكر الله ويحج بيت الله نسأله ونقول له سل نفسك هل أنت أمين في الكلام مع الخلق؟ فإذا تكلم أحد أمامك بكلمة لا تنقلها إلى غيرك؟ فتلك الكلمة أمانة هل أنت أمين على المجالس فإذا جلست مجلساَو{المجالس بالأمانات}[5] كما قال النبى لا تنقل أسرار هذه المجالس فتحدث فتناً بين الجالسين وغيرهم هل أنت أمين على معاشرتك لزوجتك فلا تبيح ولا تتحدث عما يحدث بينك وبينها؟لقد قال الحبيب : {إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا وتَنْشُرُ سِره}[6] فيصبح وقد نزل عليه ستر الله فيقول فعلت مع زوجتي كذا وفعلت معي كذا وهذا ليس من أخلاق المؤمنين قال ًالنبى{ أَلاَ عَسَى أَحَدُكُمْ أَنْ يَخْلُوَ اهْلِهِ يُغْلِقُ بَاباً ثُمَّ يُرْخِيَ سِتْراً ثُمَّ يَقْضِيَ حَاجَتَهُ ثُمَّ إِذَا خَرَجَ حَدَّثَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ أَلاَ عَسَى إِحْدَاكُنَّ أَنْ تُغْلِقَ بَابَهَا وَتُرْخِيَ سِتْرَهَا، فًّاذَا قَضَتْ حَاجَتَهَا حَدَّثَتْ صَوَاحِبَهَا؟» فَقَالَتْ امرأة سَفْعَاء الخَدَّين: والله يا رسول الله إنهنَّ ليفعلن وإنهم ليفعلون، قال: «فَلاَ تَفْعَلُوا فًّانَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ شَيْطَانٍ لَقِيَ شَيْطَانَةً عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ فَقَضَى حَاجَتَهُ مِنْهَا ثُمَّ انْصَرَفَ وَتَرَكَهَا }[7]لأنه يكشف ستر الله الذي ستره عليه فلنكن أمناء في كيلنا، أمناء في موازيننا أمناء في مواعيدنا لا نخلف ميعاداً ولا توقيتاً هل نحن أمناء في كل حركاتنا وسكناتنا؟ إذا كان المرء كذلك أميناً في كلمته أميناً في بيعه أميناً في شرائه، أميناً في وعده، أميناً في مجالسه فليستبشر وليعلم أن الله معه يؤيده وينصره ويعضده لأنه تمسك بهدى الله وكان على خلق رسول الله

[1] مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين لإبن القيم الجوزيه
[2] رواه الطبراني في الأوسط عن عبد الله بن الزبير.[3] وردت فى تفسير القرطبى، وخلاصة السير الجامعة لنشوان الحميرى، واللمع اللؤلؤية فى شرح العشر بينات النبوية للفارابى.
[4] متفق عليه.[5] رواه البزار عن أبي سعيد والبيهقي وأبي داود عن أبي هريرة.[6] صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدرى[7] رواه البزار وأبي داوود عن أبي سعيد الخدرى

التوقيع

www.malaysia29.com