الموضوع: تراث شعبي مدهش
عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 2011-09-11, 06:09 AM
الزهرة البيضاء الزهرة البيضاء غير متواجد حالياً
:: سائح جديد ::
 



تراث شعبي مدهش


انتبهوا الى الكلمات البغدادية ؛بعضها يحتاج الى تفسير لانها انقرضت


الموضوع: اصل الحوتة والمنحوتة او خسوف القمر قصة حقيقية في عام 1938
في صباح الثالث والعشرين من أغسطس فوجئ البغداديون بخبر نشرته جريدة العراق البغدادية بشكل اعلان يقول:ان القمر سيخسف فوق بغداد كليا، بتمام القرص، ليلة الثلاثاء 8 تشرين الثاني سنة 1938 وسيكون الخسوف ببرج الثور، بمنزلة الدبران، والطالع درجة 15 من برج السنبلة
التوقيع ملا جاسم بن محمد
www.malaysia29.com
وهذا الشخص الذي اقام بغداد ولم يقعدها طوال اسابيع هو (بغدادي) من المثقفين المتنورين انذاك. لكن عامة العراقيين تشك دائما في اقوال هؤلاء وفلسفتهم، خصوصا اذا استخدموا العلوم في تبيان الحقائق وتفسير الظواهر الطبيعية، فهم ـ حسب راي الملا صقر ـ عبارة عن افندية يتحرشون بمعتقدات الناس ويجب ابعادهم عن بغداد
البحث عن ملا جاسم
بات البغداديون خائفين من كارثة ستقع بعد شهرين وخمسة عشر يوما من تأريخ نشر هذا الاعلان من شخص لايعرفه الكثيرون، وقد يكون شخصا مشاغبا مثيرا للفتنة. واذا صح الخسوف فهذا يعني أن ‘الحوتة المنحوتة المنحوسة’ موجودة في بغداد وفي سماء بغداد وأنها تتربص بقمر بغداد لكي تبتلعه فيحل الظلام في سماء العالمين!
قام شقاوات محلات قنبر علي والمهدية والفضل والدهانة وخان الآل بتشكيل فرق بحث عن هذا المثقف المدعو ‘ملا جاسم بن محمد’ الذي جاء بخبر خسوف الشمس وكيف ياترى علم قبل وقوع الخسوف بشهرين ونصف الشهر؟! رغم أن العلم عند الله؟
لكن المدعو ملا جاسم بن محمد اختفى من بغداد كلها وكأنه صعد الى المجرات لكي لاتطاله ‘راشديات ودفرات’ شقاوات بغداد. ولكي لايقدم لمحكمة علنية تسأله: كيف عرفت بخسوف القمر والعلم عند الله؟
في الساعة الثامنة والدقيقة الثالثة من ليلة الثامن من تشرين الثاني عام 1938 أنخسف القمر وراحت ‘الحوتة’ – كما يعتقد البغداديون – تبتلعه في بطنها تدريجيا امام انظار الناس كما توقع الملا جاسم
وسخطت بغداد تلك الليلة، وضجت محلاتها وسطوح دورها بمعزوفة موسيقية متضاربة يسمع صداها القادمون على بعد عشرة اميال، أما الألآت العازفة فهي عبارة عن (التنكات والجفاجير والمغارف والقدور النحاسية والصواني والقروانات والطبول)!
والكل يعزف من فوق سطوح المنازل وهم يراقبون القمر المسكين يختفي تدريجيا في بطن الحوتة، وعيونهم شاخصة اليه وهم يرددون اغنيتهم الشعبية التي يهددون بها هذه الحوتة المنحوسة بالويل والثبور

ياحوته يامنحوتة
هدي قمرنا العالي
هذا قمرنا انريده
هو علينا غالي
وأن كان متهدينه
أندق لج بصينية
طاق طيق، طاق طيق طاق طيق

وتهدر اصوات الجفاجير والمغارف والملاعق والقروانات والصحون، لعل الحوتة تخاف من هذه السيمفونية البغدادية فتترك القمر وتهرب.
ياقريب الفرج

وفي كل دربونة أو رأس عقد (زقاق) وقف ابو طبل يضرب بطبله. ووراءه وحوله جوقة من الصبيان وبأيدي بعضهم الفوانيس ، يتصايحون و’الحوتة’ لاتسمعهم ولاتأبه لصياحهم، أما العجائز في تلك الليلة المشؤومة التي ابتلعت فيها الحوتة قمر بغداد, فقد اجتمعن فوق السطوح رافعات الأيدي بالدعاء وبصوت واحد
ياقريب الفرج!!
ياعالي بلا درج!!
قمرنا طايح أبشدة
نطلب منك الفرج!

وعلى ضفاف دجلة (من أمسناية باب المعظم الى أمسناية سبع ابكار بهذا الصوب) و(من أمسناية الجعيفر الى أمسناية الكرادة بذاك الصوب) وقفت النسوة المرضعات والزوجات الحبالى والزوجات (المجبوسات، اللي مايحبلن ويجيبن) والخائفات من أن يتزوج عليهن أزواجهن
وبالطبع لم يكن في بغداد أنذاك غير جسرين وعدة ‘جسارات’، والناس ضائعون في الخرافات، ولهذا (بلعت الحوتة القمر)! وأبتلعت معه (ملا جاسم بن محمد) وبقي الناس في تلك الليلة المشؤومة يعزفون بالقدور والصواني والجفاجير والقروانات لعل الحوتة ‘تهد’ القمر وتهرب منهم, واشتد صياحهم وعلت اصوات موسيقى القدور والصواني اكثر فأكثر
الحوتة بلعت القمر
وبعد ثلاث ساعات ونصف الساعة، وحوالي الساعة الحادية عشرة وعشرين دقيقة في تلك الليلة ، طلع القمر من جديد، فتصايح البغداديون من فوق السطوح وأعالي المنائر والفوانيس واللمبات والشموع بايديهم
زاعته الحوتة!!.. الحوتة زاعت القمر!! خافت وزاعته
وعلت الهلاهل. وتبادل البعض التهاني من فوق السطوح، لأن الحوتة داخت و’انسطرت’ من شدة أصوات القدور والجفاجير والصواني، فزاعت أي (تقيأت) القمر وهربت خائفة من فزعة البغداديين.
وتنفست بغداد الصعداء

وتداعى الشعراء في المقاهي ينشدون مايمكن انشاده في ذم الحوتة و’اللي جاب الحوتة’. وفي صباح يوم الثلاثاء صدرت احدى الصحف وفي صفحتها الأولى قصيدة لشاعر العراق الشعبي ملا عبود الكرخي ينوه فيها بما فعلته ‘الحوتة المنحوتة’ ويغمز فيها الى ‘الحوتة البريطانية’ التي ابتلعت العراق آنذاك عام 1916م
وفي مقهى (عرب) في باب المعظم تحدث عرب (وهو صاحب المقهى وشخصية بغدادية شهيرة بادعاء البطولات التي تضفي على شخصيته المهابة وهي عبارة عن قصص مختلقة من صنع خياله قال للجالسين متباهيا:
بأنه لولا هو ولولا خوف الحوتة منه لما ‘زاعت’ القمر وهربت، فلقد صعد إليها في ليلة البارحة بعد ان تمكن من صعود منارة جامع الامام الأعظم وقفز نحوها، وحالما رأته زاعت القمر وهربت’

أما كيف وقع القمر في ‘حلق الحوتة’ فقد شاعت انذاك نظريتان
الأولى: روج لها أهالي محلة (قنبر علي) فقالوا: ‘ان القمر كان جاي لمحبوبته يريد يلتقي وياها، لكنه خطية تاه وظل طريقه في الجول والصحراء وبين الجبال، وكانت الملعونة الحوتة خاتلتله أهناك فكمشته وبلعته’
الثانية: فقد تحدث بها في بادئ الأمر أهل محلة الفضل فقالوا:’إن الحاجة عمشة أم ستوري شاهدت القمر في تلك الليلة جاي يشرب ماي من الشط، خطية عطشان، واول ما دنج على الشط حتى ياخذله قمع ماي شافته الحوتة وجرته لها وبلعته، وقامت الحاجة عمشة أتصيح لكن محد سمعها لأن بذيج الليلة نص بغداد سكارى شاربين عرق هبهب’
أما أهل محلة ‘باب الأغا’ فهم على خلاف مذهبي مع المحلات المجاورة. لهذا فسروا الأسباب برواية أخرى تقول: ‘إن القمر كان بالأساس في تلك الليلة ‘اعور’ وأنه في تلك الليلة أيضا لم يكن حاملا ‘عظم الهدهد’ لكي يحميه كعادته من الشر، لهذا حينما خرج للطريق لم ير ‘الحوتة’ التي كانت تتربص به من جهة عينه ‘العورة’ فمسكته وابتلعته’
ومرت تلك الليلة بسلام، وبأقاويل وحكايات كثيرة استمرت ثلاثة اشهر. ولكن ظل البغداديون كما كانوا دائما على أهبة الاستعداد بقدورهم وجفاجيرهم وصحونهم وصوانيهم ومكاويرهم للطرق عليها من فوق السطوح ليخيفوا الحوتة التي تبتلع القمر بين حين وآخر. وهم يرددون (ياحوتة يامنحوتة.. هد قمرنا العالي.. وأن كان متهدينة.. أندق لج ابصينية.. طاق طيق طاق طيق, طيق طاق)