عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 2011-08-25, 05:33 AM
كماال كماال غير متواجد حالياً
:: احد كبار الشخصيات ::
 



حرمها الزواج .. فحرمته من الدعاء بالجنة

حرمها الزواج .. فحرمته من الدعاء بالجنة .!



على أرض لم تعرف إلا الخضرة الناضرة ،
وبين ورود تدلّ على أصحابها ؛ من شذاها العاطر وياسمينها الفوّاح ،
وفي أجواء ملتزمة ومنضبطة كانت ولادتها على قدر ..
" فاطمة " التي ابتسمت لها الحياة كما يقولون ، لم يكن ينقصها شيء ،
وجه بهيّ ، وعقل زكيّ ، ولسان شذيّ ، وجواب نديّ ، وتعامل سويّ ..
بين يدي أبويها مطواعة ، ولإخوتها ناصحة محسانة ..
برز سيماء التفوق والنشاط عليها منذ أيامها الأولى ..
جمعتها بصويحباتها علاقات محبة واحترام ، عروتها وثقى ..!
تخرجت في جامعتها وكانت في أول الصفوف ..
رجتها مدارس ، وفتحت أبوابها أمامها مؤسسات وشركات ..
وشاء القدر أن تحصّل وظيفة محترمة وبراتب عالٍ على صغر سنّها ..



بدأت تفكر جديًّا في الزواج ؛
تتخيل نفسها في حلّة الزفاف التي رأت صاحبتها " نجاة " لبستها ذات مرة ،
لا .. بل تتخيل نفسها هي التي تجلس على كرسيّ التجميل بانتظار انتقالها لبيت زوجها ..
ثم تطوف في حدائق الخيال لتصل إلى محل التصوير ؛ تلتقط لنفسها وزوجها الصور التذكارية ..
تسبح في آفاق التفكير الجميل اللطيف .. لتجد نفسها زوجة صالحة في بيتها ، ولمَ لا ؟!
فقد علمتها أمها كل شيء:
فهي في الطهي والطعام متميزة ، وتجيد تحضير مختلف أنواع الأطباق ،
ناهيكم عن إمكاناتها الرائعة في إعداد وتجهيز الحلويات بمختلف أشكالها ..
وهي في تنظيف البيت وتجهيز المطبخ ، ملكة وأي ملكة ..
إذًا لا ينقصها ، سوى أن تستحيل أحلامها حقيقة وأن يأتي يوسفها المنتظر ليفسرها لها في واقع بيت الزوجيّة ..


انتظرت أباها أن يبحث لها ، أو لعل أمها تفعل ،
لكن أحدًا منهما لم يقم بالمطلوب ،
وهي فتاة حييّة ، لم تفكر في حياتها أن ترتفع إحدى عينيها شزرًا لوالديها ،
ولم تكن تطلب أمورًا شخصيّة ، أو تثقل كاهليهما إلا بعد صراع مع نفسها يطول ..
لكن مع طول المدة وقد أوشكت أن تطفئ ثمانيًا وعشرين شمعة من عمرها ، كان لا بدّ من التصريح ..
أخبرت أمها ، فسعدت ظاهرًا ، ولكن الخوف الشديد من المجهول الذي تعرفه تملكها ..
وعدت بأن تخبر والدها و"أن تضغط عليه" ، وأن تذكره بالواجب تجاه بنته ..
وكلما تسألها بنيّتها السابحة في أحلامها ، كانت تخبرها أن والدها يعد ويعد ..
ثم طالت المدة حتى زادت المفاوضات عن سنة كاملة ..


يا لله .. هي الآن في صراع مع الزمن ، والمجتمع لا يرحم ..
وما أطول ألسنة البعض ، وما أقسى نظراتهم .!
فالمجتمع يعتبر أمثالها في هذا السن ، قد فاتها القطار ،
وأنه إذا جاءها ابن الحلال الأربعيني أو الأرمل أو المطلق ، فقد جاءها يوم سعدها ؛ لأنها على هذه الحال ليست بمرغوبة ، ولن تكون في مطمح شاب ولا مطمع مثقف .. وإذا فكّر شاب في طلب يدها ؛ فإنما لوظيفتها ومالها ، كدجاجة تجلب له البيضة الذهبية منتهى كل شهر ..


كم بكت في لياليها ، وكم أذهب التفكير منامها ،
وكم شوّش تسويف والدها تفكيرها .. حتى زاد اعتذارها عن العمل مرارًا وتكرارًا ،
صارت تميل إلى العزلة ، وصامت عن الكلام أسبوعًا بوصال ..
اقتحمت هالة السواد أسفل عينيها ، وشيء من حمرة غزت بياضهما ..
تندب حظها العاثر مرة ، وتدعو الله بصدق في أخرى ،
وتحاول استكناه سبب إحجام الوالد عن المبادرة في أمر من المفترض أن يسعده ،
لكن دون جدوى ، ودون جواب سوى الصمت المطبق الرهيب ..


العمر يجري بسرعة ، والأربعون تلوح في الأفق ،
والجسم غدا هزيلا ، والفكر أضحى عليلا ..
تعرض لها ذات ليلة صورة تردد أمها في إخبار الوالد برغبتها في الزواج ..
لم تفهم يومها ، لماذا كان التردد ؟!
غادرت فراشها ، وأسرعت الخطا نحو أمها:
فاطمة: أمي الحبيبة ، لماذا كنت مترددة قبل تسع سنوات في إخبار أبي برغبتي في الزواج ؟
الأم: أي تردد ؟! ذهبت لأبيك وأخبرته بالأمر ، وتابعت معه يوميًّا ..
فاطمة: بل بدا التردد عليك واضحًا يا أماه ، كأنك لا تريدين إبلاغ أبي ، أو كأن هناك أمرًا تعرفينه وتخفينه عني .. أرجوك أخبريني ، فسهام الأسى أحرقتني ودمرتني .!
الأم: أنت يا بنتي الحبيبة جميلة ، وموظفة ، والكل يتمنى الزواج منك و.....
فاطمة - مقاطِعةً -: أعرف هذا الكلام جيدًا يا أمي ، وحفظت الأسطوانة تمامًا من كثرة ما سمعتها ، ولم يعد لها جدوى وقد دخلت خريف العمر ولا زواج .. أرجوك أجيبيني يا أماه .. زاد تأكدي الآن أنك تخفين أمرًا عني .. أرجوك أرجوك .!
الأم - وبعد إصرار بنتها الشديد -: سأخبرك يا بنيتي ، لكن أرجو أن تتفهمي الأمر ..
فاطمة - وقد سال لعابها بانتظار الجواب المشتهى المنتظر - : لا تقلقي يا أماه ، تفضلي تفضلي ..
الأم - وبتنهيدة شديدة متحسّرة -: تعلمين أن أباك له أراضٍ كثيرة مترامية الأطراف ، وهو ابن عائلة معروفة كبيرة ، عندهم تفكير عجيب بأن الأرض لا يجوز أن تتفتت وأن "الأغراب" لا ينبغي لهم أن يتقاسموا مع أبناء العائلة أرضهم ؛ حفاظًا على "نقاء الأرض" كما يزعمون ، وهذا الذي جعل أباكِ يتردد كثيرًا في أمر زواجك وكما ....
فاطمة - وبعد هذه المفاجأة العجيبة غير المتوقعة - ، أصبحت ليست في عالم أمها ، وكلامها صار غير مسموعًا ..
أظلمت الدنيا أمامها ، وضاقت أنفاسها ، وأحست باختناق مفاجئ شديد ..

ما هذا الذي يجري ؟! ما هذا الذي يحدث ؟!
هل يُعقل أن يكون هذا من والدي الذي أحببته ؟؟!
ليته أخذ ما أملك من مال ، ليته اشترط على زوجي المرتقب ما اشترط ،
ليته رضي بأن أتنازل عن نصيبي في الأرض حية أو ميتة ،
المهم ألا يحرمني من الزواج ..!!
تضيق الأنفاس ، ويهزل الجسد ، وتفاجأ الأم بهذه التغيرات السريعة ،
تطلب سيارة الإسعاف .. تأتي مسرعة ،
يقرر الأطباء أن تدخل إلى غرفة العناية المركزة مباشرة ؛ ليكون الاكتشاف العجيب بأن قلبها - يا للعجب - يحتاج إلى عملية جراحية ، وأن نسبة النجاح لا تعدو الخمسة بالمائة ، لكنها من الضرورة بمكان ..

يأتي الوالد ، ومع هول المفاجأة يوقع على ورقة الموافقة على إجراء العملية لبنته ..
يطلب الوالد والوالدة والإخوة والأخوات والعمات والخالات والقريبات أن يلقوا نظرة اعتبروا أنها قد تكون نظرة الوداع ، قبل أن تذهب فاطمة للعملية الجراحية ..



أدخلوهم على فاطمة ، التي كانت في عالم غير هذا العالم ..
لم تميز منهم إلا وجهًا واحدًا ، إنه وجد أبيها ..
الكل يسألها ، يطمئن على صحتها ، لكنها لم تسمع أحدًا ،
هي تريد أن توصل رسالة لأبيها هذا العجيب ،
وعندما استقرت عيناها عليه ، استجمعت قواها ، وتحاملت على نفسها ، لتطلق الصاروخ:
فاطمة: أبتاه ؟!
أبوها: لبيك يا فاطمة ، مري - شافاكِ الله وعافاكِ -
فاطمة - وبلا تردد -: أبي ، حرمك الله من الجنة ، كما حرمتني من الزواج .!
دخلت بعدها في غيبوبة ، وأمر الأطباء بخروج الجميع بسرعة ؛ ليعاجلوا بالعملية قبل الموعد ..
دخلوا غرفة العناية المركزة ، ودخل أبوها في غياهب التفكير والحسرة ،
وصار الجميع ينظرون إليه نظرة اشمئزاز وازدراء واحتقار ..
توقف لسانه عن الحركة ، ومن يومها وهو لا يتكلم ، وفمه أوى إلى الناحية اليمنى لا يغادرها ..


الأم هنا تبكي وتنتحب ، اجتمع معها أخواتها يشاطرنها المصاب واللأواء ،
إلى أن جاء الخبر الصاعق بعد ساعتين ، بأن فاطمة قد ماتت .. إلى رحمة الله ..
بعد أن قتلها أبوها معنويًّا ؛ بحرمانها من الزواج ..



وهنا أتساءل:
هل في البشر آباء يحملون هذه المشاعر ؟
هل في الناس صبر كالذي حملته فاطمة وأمها ؟
هل سيأخذ المرء معه ماله وأراضيه وعقاراته إلى قبره ؟
هل ، وهل ، وهل ... ؟!
حقًا: " ماذا ينتفع الإنسان ، لو ربح العالم كلَّه ، وخسر نفسَه "


التوقيع