عرض مشاركة واحدة
  #93  
قديم 2011-08-21, 02:57 PM
حسين الجبوري حسين الجبوري غير متواجد حالياً
:: سائح جديد ::
 



رد: كلمة الحق تقال من قبل الشباب الواعي في الوطن العربي فضع بصمتك معهم

وحدة العرب قضية إسلامية أيضاً


اتفق علماء الأمة الإسلامية كافة على ان رب العالمين، ولحكمة وفضل من لدنه، اختار العرب ليشرّفوا في أن يكونوا أول من يحمل مسؤولية الرسالة، فكان نبيها ورسولها محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم منهم وأنـزل وحيه وقرآنه بلسانهم. وكان الخلفاء الراشدون والأئمة العظام في العلم والفقه والجهاد من بينهم.
لكن هذا التشريف وتلكم الأمانة أبعد من أن يكونا مدعاة لعلوٍ على غيرهم من الأمم التي دخلت الإسلام فعززته بما أضافته من أئمة وقادة وعلماء ومجاهدين. فكان الإسلام تلك البوتقة التي صنعت أمة واحدة هي أمة العقيدة والإيمان. وقد نهى عن العصبية والكبر والتنازع والشقاق أيا كان شكله وهذا لم يختص به الشعوب المسلمة فحسب وإنما وجه، أيضاً، للشعوب كافة وهذا معنى الآية: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات: 13).
ولعل أمة العرب في تاريخها الإسلامي كانت أكثر الأمم المسلمة أو في مقدمة الأمم التي انتظمتها الأمة الإسلامية بعداً عن العصبية العرقية. وبدليل قبولها على مدى متطاول من القرون أن تحكم بسلاطين وجيوش من المسلمين غير عرب مثلاً عهود المماليك والعثمانيين وغيرهم. فالعرب ليست فيهم تلك العصبية عدا حين تمسهم الإساءة ويشرئب التحامل عليهم كأمة وعصبية. فعندئذ لا بد من الدفاع عن الأمة المظلومة مع الحذر من العودة إلى العصبية الجاهلية التي طالما نبّه منها العلماء واستنكروا العودة إليها مهتدين بقوله تعالى(وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة: 8) وقد ذكروهم بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم محذراً من العصبية "دعوها فهي منتنة" والمقصود كل عصبية مغالية سواء أكانت عصبية قومية أم مذهبية أم قبلية أم حزبية وما شابه.
هذه المبادئ: الأمة الإسلامية الواحدة، الأخوة في الدين، تعايش الشعوب وتعاونهم وتعارفهم والمساواة بينهم، وعدم علو أمة منهم على أخرى، أرسيت في الوعي العربي كما في وعي الأمم الإسلامية كلها وأصبحت في مركز البدهيات والمسّلمات. وكان العرب اول من حملوا هذه الرسالة وطبقوها على أنفسهم.
لكن التطور الفارق الذي حدث في العصر الحديث تكوّن نتيجة انهيار دولة الخلافة العثمانية والدول الإسلامية الأخرى أمام الغزو الاستعماري الغربي وما نجم عنه من تجزئة على أساس قومي وجغرافي وقطري، وفي ظل الدولة الحديثة. فقامت التجزئة إما على أساس توزع النفوذ بين الدول الاستعمارية، وإما من خلال مخططات مدروسة معلنة مثل اتفاقية سايكس - بيكو لتقسيم المشرق العربي بين بريطانيا وفرنسا أو التقسيمات التي نفذها، وبوعي وقصد أحياناً كثيرة، الاستعماريون البريطانيون أو الفرنسيون أو البرتغاليون أو الهولنديون ضمن مناطق النفوذ الواحدة.
هذه التجزئة والتقسيمات التي صحبت الظاهرة الاستعمارية الغربية المعاصرة أنتجت على نطاق واسع ظاهرة الدول القومية كما هو الحال الراهن على امتداد خريطة العالم الإسلامي عدا الأمة العربية التي قسمت إلى مجموعة من الأقطار زادت على الاثنين والعشرين وقد تصل إلى ما هو أكثر إذا ما استمر مسلسل التجزيء. فالعرب وحدهم حرموا من أن تظلهم دولة قومية كما هو الحال بالنسبة إلى الأتراك والإيرانيين والباكستانيين والأوزباكيين والأذربيجانيين والأندونيسيين والماليزيين.
صحيح ان بعض تلك القوميات لم تكتمل وحدتها القومية إذ اقتطعت منها بعض الأجزاء لكن جسمها الرئيس بقي موحداً في دولة قومية. وصحيح ان هنالك شعوباً أخرى مثل الأكراد أو الشيشان وغيرهما أصبحوا أقليات في ظل وحدات قومية أو قطرية أكبر وضمن أطر دول حديثة إلاّ ان ذلك يجب ألاّ ينفي وجود مشكلة عربية بالغة الخطورة ناجمة عن هذه التجزئة التي يراد منها أن تمحو شيئاً اسمه الأمة العربية. وذلك من خلال تحويل أقطارها إلى كيانات "قومية" بدلاً من أن تكون أجزاء قطعت من أمة واحدة. بل ان التسليم بهذا المسار الذي حقق ذلك الهدف الاستعماري (الإسرائيلي لاحقاً) راح يواجه الآن مخططات لتجزئة الأقطار العربية إلى دويلات وطوائف وإثنيات وجهويات (مثال العراق) إمعاناً في إلغاء الهوية العربية التي بقيت جامعة بالرغم من إلغاء الوحدة السياسية للأمة العربية وتحويلها إلى دول قطرية ذات هوية وطنية في إطار الهوية العربية والإسلامية.
لقد أثبتت تجربة التاريخ المعاصر ان تجزئة الأمة العربية إلى هذا العدد الكبير من الدول القطرية كان عاملاً أساسياً في إعاقة العرب من تحقيق استقلال منيع أو تنمية أو نهضة حتى في المستوى الذي وصلته أمم أو دول إسلامية أخرى. وقد أثبتت هذه التجربة ان هذا الحال العربي العاجز والمتخلف والمعوّق بسبب التجزئة لم يكن قادراً على مواجهة المشكل الإسرائيلي في فلسطين، وهو مشكل عربي وإسلامي من الدرجة الأولى، كما تعترف كل القوى والشعوب العربية والإسلامية بلا استثناء. بل انقلب هذا الوضع المبتلى بالفرقة والعجز والتخلف والتعويق مع الظروف العالمية الجديدة إلى مشكل إسلامي وليس عربياً فقط بسبب التنازلات التي راحت تقدم للدولة العبرية كما بسبب التراجعات أمام الهجمة الأميركية - الإسرائيلية على البلاد العربية والإسلامية جميعاً تقريباً.
من هنا يلحظ قصور في وعي الحركات والعلماء خارج البلاد العربية، وحتى لدى البعض داخل هذه البلاد أي من بين العرب، في عدم إدراك أهمية توحيد الأمة العربية ومن ثم التركيز على الهوية العربية، وعلى العروبة، وذلك باعتباره من الشروط الأولى لتكون الأمة العربية عامل قوة في إطار الأمة الإسلامية، وليس عامل ضعف بل هو شرط شارط لتضامن الأمة الإسلامية نفسها كما نهضتها بعامة.
فالذي يلحظ ان ثمة استسلاماً لدى الكثير من الإسلاميين غير العرب وحتى بعض العرب لظاهرة التجزئة القطرية العربية والتعامل مع العرب باعتبارهم فلسطينيين ولبنانيين وقطَريين وسوريين ومصريين ومغاربة وجزائريين وليبيين وسودانيين وسعوديين، ليسوا أمة عربية يجب أن تكون موحدة. فما أن يذكر اسم العرب أو الوحدة العربية أو العروبة حتى تسمع فوراً الاتهام بالعودة للعصبية القومية، وقد لخص بعضهم، ذلك بالقول "لقد أقنعتمونا أيها العرب عندما أدخلتمونا إلى الإسلام بالتخلي عن عصبياتنا القومية لنتوحد في أمة واحدة، وها أنتم عدتم الآن إلى الحديث عن قومية عربية وعصبية عربية".
هؤلاء لا يلحظون انهم بغير حاجة إلى الحديث أو التشديد على وحدتهم القومية مثل تركيتهم أو إيرانيتهم أو باكستانيتهم لأنهم لا يعانون من مشكلة التجزئة إلى حد محو تلك الهوية والوحدة كما هو الحال مع العرب. فهم لا يلحظون ان المخطط الاستعماري الذي استهدف البلاد العربية أمعن مبضعه في العرب ليمزقهم شر ممزق وزرع في وسطهم الدولة العبرية لتسهم مع الدول الاستعمارية في تكريس ذلك التمزيق لكي تذهب ريح العرب كما ريح أقطارهم لاحقاً، وفي هذا عامل سلبي شديد الخطورة على الدول الإسلامية الأخرى مجتمعة ومنفردة. طبعاً بعض قصيري النظر في تلك الدول أو بعض ذوي النـزعات القومية الضيقة استمرأوا حال التجزئة العربية والضعف العربي لأسباب متعلقة بالنفوذ القومي أو الزعامة وإن لم يفصحوا عن ذلك علناً لأن وحدة العرب تعني نشوء كتلة كبرى مؤهلة للعب دور كبير إقليمياً ودولياً وإسلامياً.
فبدلاً من أن يدركوا أهمية هدف توحيد هذه الكتلة على مستقبل الأمة الإسلامية راحوا يناصبونه العداء أو التجاهل، عن وعي أو بلا وعي. وقد ظنوا انهم بهذا يعلون وحدة الأمة الإسلامية.
إن الوعي الإسلامي المعاصر العميق يجب أن ينصب على إدراك خطر التجزئة العربية، وعلى أهمية وحدة العرب شرطاً شارطاً لوحدة الأمة الإسلامية وتضامنها ووحدتها المعنوية وحتى السياسية والاقتصادية والحضارية والثقافية.
وليذكر الجميع ان أول شرط حققه الرسول عليه الصلاة والسلام ومن بعده خلفاؤه الراشدون كان تحقيق وحدة العرب وإقامة الدولة الإسلامية انطلاقاً من هذه الوحدة. وقد شهد التاريخ ان ذلك كان شرط انطلاق الإسلام من جزيرة العرب وما حدث من انتصارات ونشر لعقيدته وتكوين لأمته المفتوحة المتعددة المترامية الأطراف والمتسعة باضطراد.
هذه الحقيقة النابعة من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرته وسيرة الصحابة من بعده قد عادت لتصبح ضرورة لازمة في عصرنا الراهن إن لم تكن من أجل أن تنجز ما أنجزته في المرة الأولى ففي الأقل لتكون عامل قوة ودافع نهوض على مستوى البلاد الإسلامية بدلاً من أن يكون غيابها وطمسها عاملي ضعف وتعويق للبلدان الإسلامية مجتمعة ومنفردة.
وبدهي ان هذا لا يمكن أن يعتبر عوداً إلى عصبية جاهلية وإنما هو عود إلى أصل إسلامي ويجب أن يصبح على رأس برنامج الحركات الإسلامية العربية كما على رأس برنامج القوى الإسلامية على نطاق العالم الإسلامي.
وبكلمة ما لم يوحد العرب ولو بالتضامن والتكامل والتنسيق والتمسك بالهوية العربية إلى جانب الهوية الإسلامية والمرجعية الإسلامية فإن كل حديث عن التحرر والنهضة على أي مستوى ضمن البلاد العربية أو الإسلامية يظل مبتوراً ومختلاً إن لم يتحول إلى حديث خرافة. ومن لم يدرك ذلك انطلاقاً من الفهم الإسلامي المعمق فليدركه من خلال فهم الاستراتيجيات الدولية والمشروع الإسرائيلي فهماً معمقاً، قديماً وراهناً ومستقبلاً.
وأخيراً وليس آخراً ليُعامل الإسلاميون غير العرب وحدة العرب وعروبتهم كما يعاملون وحدة دولهم وهويتها حيث لا يقبلون لأي منهما (وحدة الدولة وهويتها القومية) مساساً من خلال تقسيم أو تجزئة أو فيدراليات طائفية أو اثنية (مستقلة عملياً). فكيف يقبل أن يسلم بتجزئة العرب واعتبارها هي الحقيقة التي يجب تكريسها والبناء عليها. والأسوأ أن تحارب وحدة العرب وهويتهم باسم الوحدة الإسلامية والهوية الإسلامية واتهام تلك الوحدة والهوية بالعصبية القومية والعودة إلى الجاهلية علماً ان الجاهلية تركت العرب أشتاتاً متعادين فيما وحدهم الإسلام وألّف بين قلوبهم.