عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 2011-08-15, 09:06 PM
كماال كماال غير متواجد حالياً
:: احد كبار الشخصيات ::
 



الترنج في قاعة للاشباح

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


موضوع رائع وصلني عبر الاميل

للاخت من جده

ولجمال الموضوع

جلبته لكم

ان شاء الله يعجبكم

www.malaysia29.com
ما تتلاقفه الأسماع:

ثلاثة من الشبّان اختصموا مع قومهم حتى الشقاق ...
وخاصموا كل شيء .. حتى ذواتهم ...
فطفقوا يبحثون عمن يصلح بينهم وبين ذواتهم أولاً .. ثم الآخرين ..
قرءوا العديد من الإعلانات عن دورات تدريبية في فنون التعامل والذكاءات الاجتماعية والعاطفية.. وغيرها
لفت انتباهتهم إعلان عن دورة " تصالح مع الحياة ... لا يعرف قيمتها إلا من مات!! "

قالوا: هذه الضالة!
اتجهوا إلى قاعة التدريب وفق العنوان، وقفوا أمام بوابة عاجية كبيرة، بجوارها عمود رخام جميل منقوش
دلفوا من تلك البوابة، مرّوا ببهو عظيم سقفه وجدرانه وبلاطه من المرمر القرمزي الذي يتخلله عروق من
الألوان البيضاء والصفراء والأرجوانية.. . والفسيفساء الذهبية... كانت بديعة!

وصلوا إلى قاعة التدريب، جلسوا فيها، كان قي القاعة مكتبة كبيرة، ومكاتب، ومرسم بجواره علبة ألوان،
وفرشاة، وغليون.. وتوابيت!!

التعليمات في الإعلان تقضي بالكلام بمجرد الجلوس في القاعة...

بدأ الشاب الأول:


نحن شبيبة لم يُقدّرنا مجتمعنا، لم يفهمنا ولم نفهمه، فاختصمنا معه... مع كل الناس.. لسنا على وفاق،
وانتهينا بالخصام مع ذواتنا ... وجئنا هنا لنعلن السلم، ونرفع راية المصالحة مع ذواتنا أولاً ثم المجتمع..
نريد أن نعيش بأمن وسلام ...

فلم يجبه أحد!!
أشار عليه زميلاه بالاستمرار!

ثم قال:
أنا شاب طموح، طموحي لا حد له، ذكيّ أذكى من أنشتاين وأديسون ودالتون ونيوتن وألفرد وكوري ..
عبقري أنا حقًّا عبقري ... ولكنهم لماذا لا يصدقون لماذا لا يعترفون؟ لماذا يتهكمون بي ..
ولا يرفعون رأسهم بي... حتى نفسي.. ذاتي أصبحت تقول أنت مجنون ... مجنون ... مجنون!


علا صوت ضعيف لا روح فيه باهتٌ تشوبُهُ صُحُولةٌ يقول: يا بُنيّ: وهل إذا اصطدم رأس وكتاب
وانبعث من أحدهما صوت أجوف، أيكون الأجوف هو الكتاب دائماً?!.

إن مَثَلك مَثَل المرآة، والمجتمع نُظّار إليها، فإذا نظر (حمار) في المرآة؛ هل يرجو أن يبصر (ملاكًا) ؟!!

الشاب: لكن .. لكن.. من أنت؟

الصوت: حتى أنت لا تعرفني؟ .. واحسرتى! ...
أنا الذي أضاعوني .. ولكن الرحمة تداركتهم آخر حياتي فاعترف بي أولئك الأغبياء ...!

ألست تعرف شوبنهور؟!

أبُنيّ: كلما كنتَ عبقريًّا؛ فأنت تكتب وتُنتج للأجيال القادمة، أو بعبارةٍ أوضح؛ للإنسانية بوجهٍ عام،
وهو غريبٌ بالنسبة إلى معاصريك الذين تعيش بينهم ، لأن عبقريتك ليست موجهة لهم وحدهم،
بل تخاطبهم كجزء من الإنسانية عامة. لذلك ستكون هذه العبقرية خالية من الصبغة المحلية
التي تستهويهم، وتسترضيهم وتنال قبولهم.

لا عليك!! فكل الناس حُسّاد .. أغبياء ... جُهّال!!!
ردّد معي..
كلٌّ الناس حُسّاد .. أغبياء ... جُهّال!!!
كلٌّ الناس حُسّاد .. أغبياء ... جُهّال!!!


><


صوتٌ هادئٌ يقطع تكسيرة التشاؤم تلك .. هل تشتري إحدى لوحاتي؟!



دعك من هذا التشاؤم، وانظر إلى لوحاتي الجميلة ...
لقد حملت هَمّ أمّتي وشعبي، الذي جسدته فيها ..
حاربتُ النّازية وعارضتُها بفنّي وهي في قعر داري ،،، ولم تمسني بسوء!!!
في حين ارتمى الفنانون في أحضانها ..
لقد نِلْتُ شعبيةً كُبرى .. واعترف الناس بي حتى نَعَتوني بالمفكر والفيلسوف، وما أنا سوى رسّام !

كن مع مجتمعك في همّهم؛ يكونون معك .. يعترفون بك .. تقرب إليهم بما يريدون.. بما يريدون هم .. لا أنت!! ..
لا شيء يهم، المهم أن تكون مقبولاً ... أما رأيتني وقد رسمتُ لوحاتٍ أيّام الحرب لنساء مشوهات ..
أبدعت في تشويههنّ لأُجسّد للناس بشاعةَ الحرب !!؟

لذلك أَدركَ العالم قيمتي ... وها هو اليوم يبيع إحدى لوحاتي بـ 76 مليون دولار أميريكي. لتشتريها إحدى عائلات الخليج العربي !!

عزيزي: إنّ كلَّ ما أقوم به هو للحاضر، وأتمنّى أن يظل دائمًا في الحاضر. فعندما أجد شيئًا ما معبّرًا؛
أقوم به على الفورِ دون تفكيرٍ في الماضي أو المستقبل...
لذلك نجحتُ..
فاترك عنك خزعبلات شوبنهور

انظر لجمال لوحاتي واختر منها ما تشاء!!





www.malaysia29.com





اختر ما تشاء سواء من الفنّ السريالي أو التكعيبي ... تصالح مع مجتمعك بما يريدون ...

قهقهة عالية تطنّ في الأُذُن ... يقطعها بحدة صوت جَهْوَرِيّ ...


الصوت: اخسأ بيكاسو!

أيها المنافق، عشت لنفسك لا لقومك ... لذا أنت منافق،
عارضتَ النازية الألمانية صحيح، ولكنّك أيّدتَ البلاشفة الحُمْر،
واستمتّ تأييدًا لجوزيف ستالين الذي قتّل مئات الألوف بل المليون من الأبرياء ..
فأين ضميرك يا ثوريّ؟ ورسمك يؤيد قولي!!




رسمك للنساء المشوّهات لم يكن سوى حقدك الذي صغتَه بخرابيشك، وتلاعبك بالمرأة..
ألست تقول: المرأة إما سيّدة أو جارية...؟ لكنك رأيتها جارية دومًا .. لذا ثارت عليك جمعيات المرأة..
أخبرني بيكاسو أفندي: ألم تُصبك حالة من الإحباط والقهر قبل موتك .. جزاء نفاقك؟
وأي رسمٍ هذا؟ ابني ذي السنوات الثلاث، لو كان لي ابن؛ سيرسم أجمل منها ...
أتسمي هذا رسمًا وفنًّا؟!



www.malaysia29.com



أكبر خدعة في العالم هو أنت ...
بيكاسو أنت ولوحاتك إلى الجحيم!!


***********



الشاب الثاني: شكرًا سيدي .. ومن أنت؟
أنا لا أرى سوى معطفًا أمامي ...! أوَ معطف يتكلّم؟!

يرفع المعطف قبعة صائد الأيائل من رأسه محيّيًا !!
معك المحقق شرلوك هولمز .. طاب مساؤك!

أقدم لك نفسي : صاحب حل أعقد القضايا والجرائم، المحقق العالمي .. بالغ الذكاء..
ناجح في حل المشكلات، وتحليل الشخصيات، واكتشاف التحايل، وحل الألغاز ...
أَسْتَمتِعُ جدًّا بفكّ الشيفرات، فأنا متآلف مع كل أشكال الكتابة السرّيّة بشكل جيد،
وأنا نفسي مؤلف كتاب ثانويّ حول الموضوع، حللت فيه مائة وستين شفرة منفصلة ...


الشاب: إذن أنقذني.. أنت من كنتُ أبحثُ عنه .. !
فك لي – رجاء - شفرة زوجي وأمها، عجزتُ في فَهمها، متى ترضى.. متى تغضب؟
هل هي مقتنعة بي أم ليست كذلك... هل تقف خلفها ترسانة التحريض أمها أم لا، ماذا تريد بالضبط؟
فجأة راضية ... وتارة ساخطة ... وتزيد عليها حينها ولولة ... ومنّ ... وقلقلة..!!!

كرهت كل النساء .. كل النساء ... وكرهت آباءهن وأبناءهن وإخوانهن وأزواجهن
وأخوالهن وأعمامهن ..
كرهت العالم لأجلهن!


شرلوك وقد أسقط في يديه: أنا أصلاً لا أتولى قضايا فيها نساء أبدًا،
فأنا لا أقتنع بجنس النساء، وأؤيدك في كرهك لهن ...
بالرغم من أني تفوقتُ على كبارِ المحقّقين قبلي أمثال: لستراد، غيرغسون، هوبكنز.. وغيرهم
فلم يهزمني أحد يومًا في حل لغز، سوى امرأة هزمتني في حل لغز وهي آيرين أدلر ..

إني أكرههن لأن النساء.. من الصعب معرفة ما يفكرن فيه.. كيف يمكنك أن تبني على الرمال المتحركة؟
أكثر أفعالهن تفاهة قد يعني مجلدات.. وأكثر تصرفاتهن استثنائية قد يكون بسبب دبوس شعر.

دعك ودعني منهن ... قضية أخرى سيدي؟!


صوت يتدخل مخاطبًا الشاب: لو كنت جادًّا .. لما سألت مدمن الكوكايين والمورفين،
بل لما طلبت عند هذا المخادع المتظاهر بالمعرفة بكل الأمور وهو بها أجهل الخلق ...!

يؤسفني أن أخبركَ أنّكَ تُحادثُ خيالاً ... لا حقيقة .. وما حقيقةٌ كخيال ...

شرلوك هولمز مكانك أرفف الروايات وخذ غليونك معك!


><


لا يزال الصوت : يا بُنيّ خذها مني وأنا أبوك هيجل:
المرأة مخلوق عظيم، لذلك هي تُجشم الدنيا مشقة فهمها .!

المرأة مخلوق جميل .. أنيس ونيس .. مستوحش ... رقيق شفيف! غليظ ..شديد..
لابد أن تعاملها بغاية الرفق، ولو صفعت لك خدًّا، فأدر لها الآخر ... لأن هذا دليل الرومانسية العالية،
ولكن إياك أن تفرط في سيطرتك على الموقف، وأعد لها صفعتها بشكل آخر ...
عندما تشعر أنها صفعة حقًّا ... تنبه أنها عند الغضب لا يهمها أي شيء فقدته،
فلا تحاول أن تعاقبها وهي غضبى، ولكن عنفها كما تريد وهي راضية ...
وفقت بني .. اجمع بين العقلانية والرومانسية معها ومع أمها وجدتها فتجد نفسك
رومانسيا وعقليا مع أبيها وأخيها وزوجها و.. و ... وتتصالح مع مجتمعك!


ريثما يستوعب الشاب الكلمات ... يثور صوت لا يكاد يُفهم ... أنت كما أنت هيجل ..
هدفك خدمة اللامعنى ..
قمة السخافة ..
ليس لديك سوى حشد الكلمات التي لا تحتوي سوى مزيدًا من الإسراف والمبالغة،
ولم نكن نعرف ذلك إلا في مستشفى المجانين، حتى رأينا مجنونًا خارج المستشفى ... !

هيجل .. ستبقى رمزًا .. للغباء الألماني!



***************


يستوفز الشاب الثالث: هيجل رمز للغباء الألماني؟! من يستطيع قول مثل هذا الكلام؟!

الصوت: ومن غير نتشه؟!
الشاب: نتشه أنت الذي تقول: الألم العميق يجعلنا ارستقراطيين نعتزل الناس؟!

نتشه: نعم.. نعم ..

الشاب: وهذا ما حصل معي... انصدمت ممن حولي، لا أعرف ما بهم، يقبلون الكذّاب، ويطردون الصادق..
يمجدون القويّ ولو كان بذيئًا .. ويتسلطون على الضعيف ولو كان مسالمًا .. ظنوا تهذيبي ضعفًا ... وسموّي ضِعة...
يرون الحق والفضيلة جرمًا ... والأخلاق البذيئة جاهًا ...
قل لي كيف أصطلح وأتعايش معهم، ماذا أعمل كيف .. كيف،

ربما أنا المخطئ ويقينًا هم أيضًا مخطئون؟!



نتشه: أي فضيلة وأي أخلاق؟
أقصد لا يوجد أفضل منها.. أنا قلت يا سيدي: لئن ينتقم الإنسان قليلاً، فذلك أدنى من المعروف،
وليس من الإنسانية أن يترفع المظلوم عن الانتقام. إنني لأنفر من اقتصاصكم إذا لم يكن عبارة
عن حق تؤدونه للمعتدي، فإن من يسند الخطأ إلى نفسه لأنبل ممن يعلنون في كل آن الحق في جانبهم،
وأخص من هؤلاء من كانوا حقيقة على صواب. إن أغنياء الروح لا يفعلون هذا..

الفضيلة والمبادئ والأخلاق .. كذبة كبيرة تمسك بها الضعفاء . فانتبه أن تكون منهم!

ولا عليك كل من يؤذيك قاطعه، ومن لم يؤذك كذلك، أتدري لماذا؟
لأن المتوحـد يلتهم نفسه في العـزلة ومع الحشـود تلتهمـه أعـداد لا متنـاهية،
فلأن تلتهم نفسك خير من أن يلتهمك الآخرون...

الشاب: الفضيلة والمبادئ والأخلاق .. كذبة كبيرة تمسك بها الضعفاء؟!



أخزاك الله يا نتشه!! صوت كأنه عواء، يقترب ويعلو ...
الصوت وقد علا: يا عدوّ الأخلاق ... وصاحب سجل كل السوءات!

ألست من دعى للتحرر من كل خلق كريم ... حيوانية مطلقة؟
ألست من دعى لأن يقوم الأقوياء في العالم بقتل المرضى والمعاقين والضعفاء ؟!
وتقول: مت في الوقت المناسب... اسحق نفسك .. اقتلوهم أيها الأقوياء؟!


العجيب أنك كنت مريضًا زمِنًا فلم لم تقتل نفسك؟ ولم لم يقتلوك...

لم تجد صديقًا لأنك قطعت أواصر صداقاتك كلها ... ولم تجد امرأة تؤمن بك حتى النهاية ..
فكانت نتيجتك النهائية طبعية جدًّا " الجنون " .. إن جنونك أصبح محل تحليل وتندّر ...

نتشه إلى السرايا الصفراء بلا رجعة !!


><


الشاب .. وأنت؟

الصوت: صديقك روسو

روسو: صديقي العزيز: لا بد أن تتعلم كيف تعرض عن ضحك الناس ونقدهم ما دمت لا تستحقه!
ولا تنس أن الإنسان يُولد خيّرًا بطبعه، ولكن المجتمع يغيّره...

ولقد كانت لدي قبل أن أتزوج ستة نظريات في تربية الأطفال،
أما الآن فعندي ستة أطفال ليس معي نظريات لهم. !!

إنها الحياة الصعبة فلا بد من أن تعقدوا صلحًا شاملاً مع مجتمعاتكم ،
لا بد أن يكون هناك تعاقد بينكم وبين مجتمعاتكم التي تعيشون فيها...
بمقتضاه تتنازلون عن جزء من حرياتكم ( أهوائكم لا أخلاقكم ) وحقوقكم الطبعية،
في مقابل أن يتعهد مجتمعكم بصيانة تلك الحقوق وحمايتكم كأفراد!!

صديقي العزيز: أستطيع أن أقول أنني لم أبدأ العيش إلاّ حين اعتبرت نفسي رجلاً ميتاً!!

لذا ... سأعود إلى التابوت ...

وداعًا!!


**********



ضحكات مدوية ملأت القاعة ... أخيلة أشباح تتردد .. .
الجدار المرمري يقوّي الصدى حدّ الإفزاع ..
تميد الأرض من تحت أرجل الشبان ... تتشقق الجدران والسقوف ...
يسارع الشبان الثلاثة بالركض للخروج من قاعة الأشباح ..!!


قطع المرمر تتساقط عليهم ويبدو من خلفها
جدارٌ من خشب الزان المهترئ المتعفّن تشربًا بماء المطر ...
وتبدو الأرض الطينية برائحة نتنة ...


يجري الشبان...
يشاهدون البوابة الكبرى ... ومزلاجاها يكادان أن يلتئما ..
فيشتدون ركضًا .. حتى نزق آخرهم خروجًا من فرجة بأعجوبة ...


وقفوا يتأملون من الخارج الباب الضخم الذي عاد خشبيًا ...
لقد بقي شيء واحد مكانه كما هو!!

إنه ذاك الشاخص الرخامي المنقوش الجميل خارج القاعة...

اقتربوا منه ليقرءوا النقش ... فإذا هو:

قدّرْ لرِجلِكَ قبل الخطو موضعَها*** فمن علا زلقا عن غرّةٍ زلجا

فوضع الأول يديه على فمه وقال: لا أسمع،
أما الثاني فأغلق عينيه وقال لا أتكلم،
وأطبقهما الثالث على أذنيه وقال: لا أرى!


أخطئوا من شدة الفزع!!!





رشفة لطف:
تحيتي لكَ ولكِ:

* هي ليست رواية ولا قصة قصيرة كما ترى، فلا تحاكمها لأدبياتها.


* إن المسافة ما بين الكلمات والجمل، ليست الملميترات المشاهدة ،
ولكنها أميال غائرة صوب الحقيقة...
فلا تحرمني - كرمًا - أن أمتنّ لك لقراءتها..
لا تقف عند الظواهر ... وأخبرني أين وصلت
فإلم تكن مستعدًا لذلك؛ فلا تتعب نفسك بالقراءة أصلاً ...


* صعبٌ حقًّا الاستئناف بعد القطع ... وأصعب منه أن تعيد الألف ميل التي قطعتها ..
دون مبرر .. فإذا خُيّرت؛ فاختر الأسهل.

* حاول أن تكون من ملأى السنابل ...


...................................



خلال الأسبوعين الذين سبقا كتابة الموضوع، تهيّأ لي تلبية بعض الدعوات الشخصية
لبعض المنتديات مما كنت أؤجله مرارًا، منها ما يختص بالإعلام، ومنه الثقافي..

يلفت النظر (( انبهار )) العديد من الشباب بأساطين الفلسفة العالمية
فيطعمون موضوعاتهم استشهادًا بأقوالهم، وأخرى في توقيعاتهم..
وثالثة في انتقاءات لهم...

والعجب يكاد يلجم من هذا ((الانبهار )) من أين أتى، ما أسبابه، كيف يواجه ويوجّه؟
وعندما أعيب لا بد أنه واضح للجميع أني لا أعيب ذات الإفادة ممن يملك الفائدة..
فالجهد الإنساني الحضاري لا يمكن أن يُقرّ انحصاره دين ولا عقل...
أوليس النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - يقول:" لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنْ الْغِيلَةِ
حَتَّى ذَكَرْتُ أَنَّ الرُّومَ وَفَارِسَ يَصْنَعُونَ ذَلِكَ فَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ "
أخرجه مسلم عَنْ جُدَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ الْأَسَدِيَّةِ برقم (1442)

وقد قسّم بعض العلماء - رحمهم الله - ما يفعله من هم على غير ملتنا إلى ثلاثة أقسام:
- عبادات
- عادات
- حرف وصناعات وأعمال.
وبينوا أن الأول لا يجوز للمسلم التشبه بهم في عباداتهم.
أما الثاني فلا يجوز التشبه بهم فيما كان من خصائصهم.
أما الثالث فلا مانع من الإفادة منها لما فيها من مصلحة عامة.

وسوق الأفكار والمنتج الحضاري للأمم، يمكن أن يندرج تحت الأقسام الثلاثة بحسبه.

وبما أن محل النقد ليس مجرد الإفادة، ولكن الانبهار الذي يفقد القدرة على النقد
ويعني قبول كل شيء ممن انبهرنا به دون تمحيص ونقد وترشيح
وهذا ما أزعجني جدا فيما قرأت ورأيت...

ولعلكم تذكرون د. محمد العوضي عندما ذكر في برنامجنا ساعة حوار
أن أستاذه الجامعي يفخر بأنه ( جرسون ) أي ( نادل ) في قصر هيجل
هذا الذي اتهمه شبنهور بأنه رمز للغباء الألماني... ! وبعيدًا عن دوافع هذا الاتهام
إلا أن الأمر يثير الاستغراب حقًّا...

وقد أحسن أ.د. محمود محمد مزروعة - وهو آخر ضيف في برنامجنا في الدورة السابقة-
في نقد بعض هذه الفلسفات في كتابه ( مذاهب فكرية معاصرة ) ليس عندي الكتاب
بطبيعة الحال... لكن بعض فصوله في المتناول عن طريق الشبكة..

ومما يحزن أن رصيد الكاتب أو المثقف يرتفع عند عامة القرأة إذا ضمّن مقاله أو موضوعه
شيئًا من هذه الأسماء أو المقولات.. حتى أصبح البعض يقحمها إقحامًا... ليستدل به على ثقافته
العريقة ضاربة الجذور في الانفتاح..!

مرة أخرى: لا أحجر الإفادة من أقوالهم وأفكارهم وغيرهم، ولكن أن ينبهر بها هنا المشكلة..
وقد ألقى ذلك بظلاله على مستويات منها:
1- استبدال الاستدلال الشرعي بالاستدلال بأقوالهم.
2- عدم رفع الرأس بموروثنا الثر، وما فيه من حكمة وحكماء.
3- انتشار موجة الإلحاد بين الشباب، خاصة إذا علمنا أن كل من ورد اسمه في هذا الموضوع
ملحدون.. وغيرهم كثر ممن هم مدار انبهار من كثير من الشبيبة المثقفة!
4- بناء شخصيات ثقافية هشة متناقضة، للتناقض الكبير التي وقعت فيها تلك الفلسفات
بل بعض الفلاسفة يقع ذاته في تناقض كبير فتجد بعضهم ماركسي بروتستانتي وجودي براغماتي!!!


ولو سلم لنا الأمر دون انبهار؛ لعرفنا ما نأخذ وما نذر، خاصة إذا علمنا أنهم تعرضوا لنقد
شديد من مجتمعاتهم ... وقد ضمنت الموضوع الإشارة إلى بعض تلك الأقوال النقدية..
فعجبًا كيف قبلهم البعض بعجرهم وبجرهم...


هذا إفصاحٌ عن بعض تلك الأميال الغائرة..
ولا زال أمامكم الكثير من الأميال!!
. وأنصح بقراءة مقال د. نجيب الزامل يوم تركتُ الصلاة..


سألتك ربي ثباتًا على الحق الذي رضيته لنا حتى ألقاك ووالدي وأحبابي والمسلمين!


التوقيع