عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 2011-07-13, 02:02 PM
هند هند غير متواجد حالياً
:: سائح نشيط ::
 



الوفاء في عصر الغدر

الوفاء
كلمة من أروع الكلمات التي تُطرب الآذان عند سماعها، وتنتشي بروائع معانيها
الوفاء تلك الكلمة التي تتكون من مزيج من الود والحب والإخاء
الوفاء هي الكلمة التي تعبّر عن معنىً لايتجزأ، ولايُطعن بسيوف الغدر
ولكنْ، هل تجزأ الوفاءُ في زماننا؟‏
سؤال يجيب عنه كلّ إنسان تجرّع مرارة الغدر، وشرب كؤوس الخيانة علقماً لايستساغ!!‏
فكم من إنسان يطلب منك أن تمد له يد العون لتنقذه من مأزق ما، فتمد يدك، وتنقذه

بها ثم يقطعها فيما بعد بسيف الغدر والخيانة!! وكم من إنسان كنتَ تظنّه وفيّاً، فإذا به أشدّ خيانة من أبي رغال!! وكم من إنسانٍ قالوا عنه: خائنٌ، فإذا به أوفى من السموءل!!‏
لذلك عندما نجول مع الشعراء الحكماء نرى أن بعضهم جعل نهر الوفاء قد جفّ وغاض ونهر الغدر قد امتلأ وفاض، ووجد أن حسن الظن لايفيد، وأن الإنسان عليه أن يُسيء ظنه بجميع البشر، وذلك كما فعل مؤيد الدين الطغرائي في قصيدته «لامية العجم»، حيث يقول فيها:‏
وحُسنُ ظنّك بالأيام معجزةٌ فظنَّ شراً وكنْ منها على وَجَلِ‏
غاض الوفاءُ وفاض الغدرُ وانفرجت مسافةُ الخُلف بين القول والعملِ‏
بينما غيره زهد في الناس قاطبة، وخاصة في الأصدقاء، فكم من صاحب سرّه في البداية، وأبكاه في النهاية!!، وكم من صاحب كان يرجوه لنائبة الدهر، فإذا به من ثوب الدهر ومصائبه، لذلك قال:‏
وزهّدني في النّاس معرفتي بهم وطولُ اختياري صاحباً بعد صاحبِ‏
فلمْ تُرني الأيامُ خلّاً تسرّني مباديهِ إلّا ساءني في العواقبِ‏
ولا قلتُ أرجوهُ لدفعِ ملمّة من الدّهر إلا كان إحدى المصائبِ‏
وإذا كان شاعرنا قد زهد في وجود الصاحب الحقيقي , والخلّ الوفي , فإن هذا الشاعر الآخر أضاف الخل الوفيّ الى المستحيلين , والى الشيئين الخرافيين الغول والعنقاء , يقول:‏
لما رأيتُ بني الزمان وما بهم .. خلّ وفيٌّ للشدائد أصطفي‏
فعلمت أن المستحيل ثلاثة ... الغول والعنقاء والخل الوفي‏
وأول نقض الوفاء, تبدلُ الهجر بالوصل, وسيطرة الجفاء على القلب , الذي يأبى إلا أن يظهر على ملامح الوجه, فيشعر الإنسان أن الوجه ما عاد كعهده , وأن نظرة العين ما عادت تلك النظرة التي كانت في سالف الزمان , كما قال الشاعر:‏
وكنتٌ إذا ما جئتُ أدنيتَ مجلسي... ووجهك من ماء البشاشة يقطرُ‏
فمن لي بالعين التي كنت مرّة ... إليّ بها في سالف الدهر تنظرُ‏
فالقلوب تقلّبت , والوداد زال , وانتقل الإنسان من حال الى حال , مع أن الودادَ – كما يظن الشاعرُ في البيتين التاليين – ثابت ثبوتَ الجبال:‏
وكنتُ أظن أن جبالَ رضوى... تزولُ وأنّ وُدّك لا يزولُ‏
ولكنَّ القلوبَّ له انقلابٌ ...وحالاتُ ابنِ آدم تستحيلُ‏

ومع ذلك على الإنسان أن يعلم أنّ الأوفياء كُثرٌ , ولكنَّ العثور عليهم صعبٌ , فإذا طعنت بسيف الغدر مرة, فهذا لا يعني أن تطعن به كل مرة , وإذا لم تجد اليوم الوفاء متمثلاً في شخص ما , فستجده ولو بعد حين , كما قال ابن أبي الدنيا:‏
إذا المرء لم ينصف أخاه ولم يكن... له غائباً يوماً كما هو شاهدُ‏
فلا خير فيه فالتمس غيره أخاً... كريماً على فضل الكريم يُعاهدُ‏

وقد تلاحظ التغير , وزوال الود من إنسان لم تذنب معه , ولم تسئ إليه , وما قابلته الوفاء إلا بالمثل, فما السبب وما السرّ؟! أقول: لعله كان ضحية من ضحايا النميمة الذميمة , أو سوء الظن الممقوت , فقل له كما قال الشاعر:‏
أناسُ أعرضوا عنا بلا ذنب ولا معنى‏
أساؤوا ظنهم فينا فهلا أحسنوا الظنا‏
فإن عادوا لنا عُدنا وإن خانوا فما خنا‏
وإن كانوا قد استغنوا فإنا عنهم أغنى‏

والوفي يبقى وفيّاً , وإن ساء الظن , وتقلبت القلوبُ, وفشتِ النميمة , فلله درّ من قال:‏
اللهُ يعلم والدنيا مُوليةٌ والعيشُ متنقلٌ والدهرُ ذو دُولِ‏
لأنت عندي وإن ساءت ظنونك بي أحلى من الأمن عند الخائف الوجل‏
ختاماً-

قالوا: إن الوفاء لايتجزأ، فليس من الممكن أن يكون الإنسان نصف وفيّ ونصفَ خائنٍ!!... ولكنْ، ليت شعري!! ألا ترى معي أن الوفاء تجزّأ في أيامنا، وتقطّع إرباً إرباً!! ومع ذلك كلما قطع حبلَ الوفاء شخصٌ ماوصله شخصٌ آخرُ، ليبقى الوفاءُ متصلاً، رغم خيانة الخائنين، وغدر الغادرين....‏
وأنا المقيم على محبتهم وإن ...... حفظوا عهودي في الهوى أو ضيّعوا‏

__________________


التوقيع

[FLASH]http://www.c4sa-balanca.com/up/upload/37b63_1034.swf[/FLASH]