عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 2011-07-09, 04:23 AM
الحسام الحسام غير متواجد حالياً
موقوف
 



فضل الإصلاح بين المسلمين والرخصة في الكذب بينهم بما يوجب الصلح


المسلمين , الصلح , الإصلاح , الكذب , بينهم , جودة , والرخصة


فضل الإصلاح بين المسلمين والرخصة في الكذب بينهم بما يوجب الصلح

إن الحمد لله ، نحمده ، ونستعينه ، ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيِّئات أعمالنا ، من يهده الله ؛ فلا مُضِلَّ له ، ومن يضلل ؛ فلا هادي له .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .
أما بعد : قال الله جل وعز : ? لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما ? [النساء : 114] .
قال الإمام الطبري (9 / 201-202، ط- ابن تيمية) : « يعني جل ثناؤه بقوله : ?لا خير في كثير من نجواهم ? : لا خير في كثير من نجوى الناس جميعًا ، ? إلا من أمر بصدقة أو معروف? والمعروف هو كل ما أمر الله به أو ندب إليه من أعمال البر والخير، ? أو إصلاح بين الناس? وهو الإصلاح بين المتباينين أو المختصمين بما أباح الله الإصلاح بينهما ؛ ليتراجعا إلى ما فيه الألفة واجتماع الكلمة على ما أذن الله وأمر به .
ثم أخبر جل ثناؤه بما وعد من فعل ذلك فقال : ? ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاةِ الله فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا ? يقول : ومن يأمر بصدقة أو معروف من الأمر ، أو يصلح بين الناس ، ? ابتغاء مرضاة الله ? يعني : طلب رضى الله بفعله ذلك ، ? فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا? يقول : فسوف نعطيه جزاءً لما فعل من ذلك عظيمًا ، ولا حدَّ لمبلغ ما سمى الله ?عظيمًا? يعلمه سواه .
وقال تعالى : ? يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين ? [الأنفال : 1]
عن ابن عباس: ? فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم ? قال : « هذا تحريجٌ من الله على المؤمنين أن يتقوا الله ويصلحوا ذات بينهم » . قال عباد : قال سفيان : هذا حين اختلفوا في الغنائم يوم بدر . صحيح رواه الطبري في التفسير (13 / 384، ط- ابن تيمية) والبخاري في الأدب المفرد (رقم 392- الزهيري) .
وعن السدي : ? فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم ? أي : لا تَسْتَبُّوا . حسن رواه الطبري (13 / 384، ط- ابن تيمية) .
وقال تعالى : ? وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون ? [الحجرات : 9-10]
عن ابن عباس قوله : « ? وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ? فإن الله سبحانه أمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والمؤمنين إذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين أن يدعوهم إلى حكم الله ، وينصف بعضهم من بعض ، فإن أجابوا حكم فيهم بكتاب الله ، حتى ينصف المظلوم من الظالم ، فمن أبي منهم أن يجيب فهو باغ ، وحق على إمام المؤمنين أن يجاهدهم ويقاتلهم ، حتى يفيئوا إلى أمر الله ، ويقروا بحكم الله ». حسن رواه الطبري (21 / 357-358، ط- هجر) .
وعن قتادة قوله : « ? وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ? الآية ، ذُكر لنا أنها نزلت في رجلين من الأنصار كانت بينهما مدارأة في حقّ بينهما ، فقال أحدهما للآخر : لآخذنه عنوة لكثرة عشيرته ، وأن الآخر دعاه ليحاكمه إلى نبيّ الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم - فأبى أن يتبعه ، فلم يزل الأمر حتى تدافعوا ، وحتى تناول بعضهم بعضا بالأيدي والنعال ، ولم يكن قتال بالسيوف ، فأمر الله أن تُقاتل حتى تفيء إلى كتاب الله ، وإلى حكم نبيه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم - ، وليست كما تأوّلها أهل الشبهات ، وأهل البدع، وأهل الفرى على الله وعلى كتابه ، أنه المؤمن يحلّ لك قتله ، فوالله لقد عظَّم الله حُرمة المؤمن حتى نهاك أن تظنّ بأخيك إلا خيرا ، فقال ? إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ? الآية ». حسن رواه الطبري (21 / 360، ط، هجر) .
وعن مجاهد قال : الطائفة : « الرجل الواحد إلى الألف ، قال : ? وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ? إنما كانا رجلين ». حسن رواه الطبري (17 / 146، ط، هجر) .
وفي الحديث عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة ؟» ، قالوا : بلى يا رسول الله ، قال: « إصلاح ذات البين ؛ فإن فساد ذات البين هي الحالقة ». صحيح رواه الترمذي ، وقال: هذا حديث صحيح ، ويروى عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: « هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ، ولكن تحلق الدين ». انظر صحيح سنن الترمذي (3 / 607) .
وفساد ذات البين سببه الحسد والبغضاء كما في حديث الزبير بن العوام أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: « دب إليكم داء الأمم قبلكم : الحسد والبغضاء ، هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين ، والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحابوا ، أفلا أنبئكم بما يثبت ذاكم لكم ؟ أفشوا السلام بينكم ». حسن رواه الترمذي، المصدر السابق (3 / 607) .
ومن أسباب الحسد الحرص على الزعامة والرياسة في الدين كما في حديث كعب بن مالك الأنصاري قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم ؛ بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه » . رواه الترمذي ، وقال : هذا حديث حسن صحيح ، انظر صحيح سنن الترمذي (2 / 553) .
قال ابن أبي بطة كما في "الإبانة الكبرى" (1/187، رقم 657، ط1، 1422هـ ، دار الكتب العلمية) : « حدثنا أبو محمد السكري قال : حدثنا أبو يعلى المنقري قال : سمعت الأصمعي قال: سمعت أعرابيا يقول : « من لاحى الرجال وماراهم قلت مروءته ، وهانت كرامته ، ومن أكثر من شيء عرف به » .
قال الشيخ : « فاعلم يا أخي أني لم أر الجدال والمناقضة والخلاف والمماحلة والأهواء المختلفة والآراء المخترعة من شرائع النبلاء ، ولا من أخلاق العقلاء ، ولا من مذاهب أهل المروءة ، ولا مما حكي لنا عن صالحي هذه الأمة ، ولا من سير السلف ، ولا من شيمة المرضيين من الخلف ، وإنما هو لهو يتعلم ، ودراية يتفكه بها ، ولذة يستراح إليها ، ومهارشة العقول ، وتذريب اللسان بمحق الأديان ، وضراوة على التغالب ،واستمتاع بظهور حجة المخاصم ، وقصد إلى قهر المناظر ، والمغالطة في القياس ، وبهت في المقاولة ، وتكذيب الآثار ، وتسفيه الأحلام الأبرار ، ومكابرة لنص التنزيل ، وتهاون بما قاله الرسول ، ونقض لعقدة الإجماع ، وتشتيت الألفة ، وتفريق لأهل الملة ، وشكوك تدخل على الأمة ، وضراوة السلاطة ، وتوغير للقلوب ، وتوليد للشحناء في النفوس ، عصمنا الله وإياكم من ذلك ، وأعاذنا من مجالسة أهله » .
ومن أسباب البغضاء تتبع عورات الناس ، وذلك يفسدهم كما في حديث معاوية قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم – يقول : « إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم » ، فقال أبو الدرداء : كلمة سمعها معاوية من رسول الله نفعه الله تعالى بها . صحيح رواه أبو داود ، انظر صحيح سنن أبي داود (3/199) .
ومن أسبابها تصيد زلات ذوي الهيئات للنات ، وقد أمرنا بٌإقالتها كما في حديث عائشة - رضي الله عنها- قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود » . صحيح رواه أبو داود ، انظر صحيح أبي داود (3 / 48) . وفي رواية : « تجافوا لذوي الهيئات عثراتهم » قال الشافعي : سمعت من أهل العلم من يعرف هذا الحديث ويقول : نتجافى للرجل ذي الهيئة عن عثرته ما لم يكن حدا، زاد أبو عبد الله وأبو سعيد في روايتهما : قال الشافعي : وذوو الهيئات الذين يقالون عثراتهم : الذين ليسوا يعرفون بالشر ، فيزل أحدهم الزلة . رواه البيهقي في معرفة السنن والآثار (13 / 75) . وفي الأثر عن معاذ بن جبل قال : « كيف أنتم بثلاث : بزلة عالم ، وجدال المنافق بالقرآن، ودنيا تقطع أعناقكم ؟ فأما زلة العالم فإن اهتدى فلا تقلدوه دينكم ، وإن افتتن فلا تقطعوا عنه أناتكم . وجدال المنافق بالقرآن ، والقرآن حق عليه منار كمنار الطريق فما عرفتم فخذوه ، وما أنكرتم فكلوا علمه إلى عالمه . وأما الدنيا فمن جعل الله له الغنى في قلبه نفعته الدنيا ، ومن لم يجعل الله غناه في قلبه لم تنفعه الدنيا » . حسن رواه أبو داود في الزهد (ص/177، ط1، دار المشكاة) .
وسبب فساد ذات البين كله من ضعف الإيمان وقلة تقوى الله جل وعز كما في حديث ابن عمر قال: صعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم – المنبر ، فنادى بصوت رفيع ، فقال: « يا معشر من أسلم بلسانه ، ولم يفض الإيمان إلى قلبه لا تؤذوا المسلمين، ولا تعيروهم، ولا تتبعوا عوراتهم ؛ فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته ، ومن تتبع الله عورته يفضحه ، ولو في جوف رحله ».
قال: ونظر ابن عمر يوما إلى البيت - أو إلى الكعبة – فقال : ما أعظمك وأعظم حرمتك ! والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك . حديث حسن رواه الترمذي ، انظر صحيح سنن الترمذي (2 / 391) .
وإن تعجب فاعجب من أناس أبيح لهم الكذب في الإصلاح بين المسلمين فاستباحوه في الإفساد بينهم ، ففي الحديث عن أمّ كلثوم بنت عُقبة أنها سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: « ليس الكذّاب الذي يُصلح بين الناس فينمى خيراً أو يقول خيراً». رواه البخاري . وفي رواية مسلم قالت : « ما سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رخص في شيء من الكذب إلا في ثلاث : الرجل يقول القول يريد به الإصلاح ، والرجل يقول القول في الحرب ، والرجل يحدث امرأته ، و المرأة تحدث زوجها ».
اللهم أصلح ذات بيننا ، وألف بين قلوبنا ، واهدنا سبل السلام ، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، اللهم بارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وأزواجنا وذرياتنا ، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ، اللهم اجعلنا شاكرين لنعمتك ، مثنين بها قابليها ، وأتممها علينا يا أرحم الراحمين.
وكتبه أبو طيبة محمد بن مبخوت