عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 2010-12-13, 02:11 AM
ابن دجلة الخير ابن دجلة الخير غير متواجد حالياً
:: سائح جديد ::
 



قراءة في وثائق النهضة الحسينية


إننا هذه الأيام نعيش رائحة الدم الحسيني، ونسمع قعقعة السيوف التي انتصرت على ذلك الظلم، الذي أراد أن يتأسس في كيان الأمة، وذلك بفضل الحركة الحسينية التي اجتمعت فيها دماء متنوعة: من دم الشيخ الكبير كحبيب بن مظاهر، ودم الطفل الصغير كعبد الله الرضيع، ودم الشاب كعلي الأكبر، ودم الفارس كقمر بني هاشم العباس (ع).

نحن -مع الأسف- نعلم من تاريخ الحسين (ع) الجانب المأساوي، ونركز على أحداث يوم عاشوراء.. ولكن ما الذي جرى قبل ذلك في مكة، وفي المدينة، وفي طريقه إلى العراق؟.. في هذا الحديث سيتم تسليط الضوء على بعض تلك الصور الجميلة من الوثائق الحسينية.

- إن محمد بن الحنفية كان معارضاً لخروج الإمام الحسين (ع)، لأنه كان يستشم رائحة غدر أهل الكوفة، ولكن الحسين (ع) حسم النقاش بأن أسند هذا الموقف إلى جده المصطفى (ص)، الذي لا ينطق عن الهوى.. جاء محمد ابن الحنفية إلى الحسين (ع) في الليلة، التي أراد الحسين الخروج في صبيحتها عن مكة، فقال له: يا أخي!.. إن أهل الكوفة قد عرفت غدرهم بأبيك وأخيك، وقد خفت أن يكون حالك كحال من مضى، فإن رأيت أن تقيم فإنك أعزّ من بالحرم وأمنعه.. فقال: (يا أخي!.. قد خفت أن يغتالني يزيد بن معاوية بالحرم، فأكون الذي يُستباح به حرمة هذا البيت).. فقال له ابن الحنفية: فإن خفت ذلك فصر إلى اليمن، أو بعض نواحي البرّ؛ فإنك أمنع الناس به، ولا يقدر عليك أحد، فقال: (انظرُ فيما قلت).. فلما كان السحر، ارتحل الحسين (ع) فبلغ ذلك ابن الحنفية فأتاه فأخذ بزمام ناقته -وقد ركبها- فقال: يا أخي ألم تعدْني النظر فيما سألتك؟.. قال: (بلى)، قال: فما حداك على الخروج عاجلا؟.. قال: (أتاني رسول الله (ص) بعد ما فارقتك، فقال: يا حسين!.. اخرج فإن الله قد شاء أن يراك قتيلا).. فقال محمد ابن الحنفية: إنا لله وإنا إليه راجعون.

فإذن، انتهى دور المواعظ العلوية، والمواعظ الحسنية، والآن يأتي الحسين (ع) ليتكلم بلغة السيف والدم.. فالأمة تحتاج إلى هزة من الباطن!..

- إن أخاه محمدا اعترض اعتراضاً آخر فقال: فما معنى حملك هؤلاء النساء معك، وأنت تخرج على مثل هذا الحال؟.. قال (ع): (فقال لي (ص): إن الله قد شاء أن يراهن سبايا).. فدم الحسين (ع)، وسبي زينب، والأغلال الجامعة؛ ثمرة هذه التركيبة، مازالت مستمرة حتى يومنا هذا.. فحركة الحسين (ع) كلما مرت الأيام، كلما أصبحت أكثر تألقاً كماً وكيفا، وذلك من خلال انتشارها في وسائل الإعلام كافة: المرئية، والمسموعة، والمقروءة.. لم يبق على وجه الأرض إنسان له صلة بالثقافة، لا يعلم كلمة الحسين (ع).. بعض المؤسسات التحقيقية في بلاد الغرب عملت إحصائية، حول أكثر الأديان والتوجهات الفكرية انتشاراً في الأرض، فوجدت أنه الإسلام، وأكثر المذاهب الإسلامية انتشارا هم أتباع أهل البيت (ع)، والسبب في ذلك قضية الحسين، وعاشوراء الحسين.. فالذي يذهب إلى البحر، لابد وأن يصله شيء من بركاته.. والذي يذهب إلى هذا البحر الحسيني، حاشا للحسين، أن ينظر إلى تلك الوجوه الطيبة التي تذرف دموعاً بمجرد استماعهم لشيء من سيرته، وهو لا يدعو الله -عز وجل- في فكاك رقابهم من النار!..

- إن الحسين (ع) أثناء توجهه نحو العراق التقى بالفرزدق الشاعر، فسأله (ع): (من أين أقبلت يا أبا فراس)؟.. قال الفرزدق: من الكوفة.. قال له الإمام (ع): (بيّن لي خبر الناس)!.. قال له: على الخبير سقطت، قلوب الناس معك وسيوفهم مع بني اُميّة، والقضاء ينزل من السماء، والله يفعل ما يشاء، وربّنا كل يوم هو في شأن.. واستصوب الإمام كلام الفرزدق فقال له: (صدقت!.. لله الأمر من قبل ومن بعد، يفعل الله ما يشاء، وكل يوم ربّنا في شأن.. إن نزل القضاء بما نحبّ؛ فنحمد الله على نعمائه، وهو المستعان على أداء الشكر.. وإن حال القضاء دون الرجاء؛ فلم يتعدّ من كان الحقّ نيّته، والتقوى سريرته..).

انظروا إلى مبدأ الحسين (ع)، الذي هو التأصيل في التكليف!.. فالإنسان عليه أن يؤدي تكليفه، وهنا الإمام (ع) خرج امتثالا لمشيئة الله -عز وجل- ولما أوصاه المصطفى (ص)، ولا يهمه ما سيحدث بعد ذلك.

- إن الإمام الحسين (ع) أراد أن يقرر هذه الحقيقة: أنه لا إثنينية بين خط الولاية وخط التوحيد.. فالإمام إنما خرج طلباً للإصلاح في أمة جده، وأراد أن يأمر بالصلاة وفروع الدين، ولم يكن له هدف وشعار غير هذا الشعار التوحيدي.. فقال (ع): (رضى الله رضانا أهل البيت) هذه العبارة قالها لما عزم على الخروج إلى العراق في خطبته المعروفة.. قال (ع) -مخاطباً أصحابه بعد أن حمد الله وأثنى عليه-: (أيها الناس!.. خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف.. وخُيِّر لي مصرع أنا لاقيه، كأنّي بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء، فيملأن مني أكراشاً جوفاً، وأجربة سغباً، لا محيص عن يوم خط بالقلم.. رضى الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه ويوفينا أُجور الصابرين، لن تشذ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لحمته، هي مجموعة لنا في حضرة القدس، تقرّ بهم عينه، وينجز لهم وعده.. فمن كان باذلاً فينا مهجته، وموطّناً على لقاء الله نفسه؛ فليرحل معي، فأنا راحل مصبحاً إن شاء الله تعالى).

- إن من وثائق واقعة كربلاء وعاشوراء الحسين (ع): قوة تأثير الكلمة الحسينية.. فالذي يريد أن يصلح انحرافاً في أخ أو صديق؛ فليأخذه إلى هذه المجالس، ولا ينظر إلى القائل، بل إلى ما يقول.. وعلينا أن لا ننسى أن هذه المجالس منتسبة إلى سيد الشهداء (ع)، وصاحب المجلس هو الوارث، هو الذي يبكي بدل الدموع دما، هو الذي يقيم عزاء جده الحسين صباحا ومساء.. فليس هنالك مجلس ولو في أقصى بلاد الأرض، إلا وهذا المجلس تحت رعايته (عج).

- إن ما حصل لزهير من الفوز العظيم يوم عاشوراء، كان -بلا ريب- بسبب زوجته المؤمنة، هنيئاً لهذه الزوجة المثالية!.. حدث جماعة من بني فزارة وبجيلة قالوا: كنا مع زهير بن القين لما أقبلنا من مكة، فكنا نساير الحسين (عليه السلام) حتى لحقناه، فكان إذا أراد النزول اعتزلناه فنزلنا ناحية.. فلما كان في بعض الأيام نزل في مكان، لم نجد بدا من أن ننازله فيه.. فبينا نحن نتغدى من طعام لنا، إذ أقبل رسول الحسين (عليه السلام) حتى سلم، ثم قال: يا زهير بن القين!.. إن أبا عبد الله الحسين (عليه السلام) بعثني إليك لتأتيه.. فطرح كل إنسان منا ما في يده، حتى كان على رؤوسنا الطير، فقالت له زوجته -وهي ديلم بنت عمرو-: سبحان الله!.. أيبعث إليك ابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ثم لا تأتيه؟.. فلو أتيته فسمعت من كلامه!.. فمضى إليه زهير بن القين، فما لبث أن جاء مستبشرا، قد أشرق وجهه.. فأمر بفسطاطه وثقله ومتاعه، فحول إلى الحسين (عليه السلام)، وقال لامرأته: أنت طالق!.. فإني لا أحب أن يصيبك بسببي إلا خير، وقد عزمت على صحبة الحسين (عليه السلام) لأفديه بنفسي، وأقيه بروحي.. ثم أعطاها مالها وسلمها إلى بعض بني عمها، ليوصلها إلى أهلها.. فقامت إليه وبكت وودعته وقالت: كان الله عونا ومعينا، خار الله لك!.. أسألك أن تذكرني في القيامة عند جد الحسين (عليه السلام).. فقال لأصحابه: من أحب أن يصحبني، وإلا فهو آخر العهد مني به.

- إن الحسين (ع) لما سمع بمقتل مسلم، استعبر باكياً ثم قال: (رحم الله مسلما، فلقد صار إلى روح الله وريحانه، وتحيته ورضوانه.. أما إنه قد قضى ما عليه، وبقي ما علينا)، ثم أنشأ يقول:

فإن تكن الدنيا تُعــدُّ نفيســـة *** فــدار ثـواب الله أعلى وأنبل
وإن تكن الأبدان للمــوت أُنشئت *** فقتل امرئ بالسيف في الله أفضل
وإن تكن الأرزاق قسـما مقـدّرا *** فقلة حرص المرء في الرزق أجمل
وإن تكن الأموال للتـرك جمعها *** مــتروك بــه الحــرّ يبخـل


- إن الإمام (ع) أكد سنة من سنن التأريخ، ألا وهي أن (من ظَلَم، سلّط الله عليه من يظلمه....).. نعم، وهذا الذي أصابهم على يد الثورات التي قضت على بني أمية، فترى الذي وقف متحدياً الحسين (ع) قد أصبح في مزبلة التأريخ.

- إن هذه بشرى للعصاة!.. كلنا له معاصيه مع ربه، ولكن الإمام الصادق (ع) يقول: (كلنا سفن النجاة، ولكن سفينة جدي الحسين أوسع، وفي لجج البحار أسرع)!.. إن الحر وما أدراك ما الحر!.. الذي أدخل الرعب على قلوب الهاشميات، وضيق على الحسين وأصحابه ومنعهم من المسير، تراه انقلب رأساً على عقب: من أشقى الأشقياء إلى أسعد السعداء، فما الذي جعله كذلك؟.. هما موقفان بهما حصَّل السعادة الأبدية: صلاته خلف الإمام (ع)، وإجلاله واحترامه لفاطمة (ع).

الموقف الأول: عندما حان وقت الصلاة، قال الحسين (ع) للحجاج بن مسروق الجعفي أن يؤذن، فأذن.. فقال الحسين للحر: أتريد أن تصلي بأصحابك؟.. قال: لا، بل تصلي أنت ونصلي بصلاتك.. موقف من الحر ينبىء بما يطوي عليه من معرفة واضحة، وإقرار بحق الحسين (ع) بالولاية والطاعة.. هذه هي البادرة الأولى للخير: جاء لقتال الحسين، وإذا به يرى نفسه مأموما بين يديه.

الموقف الثاني: وبعد صلاة العصر، أمر الحسين قافلته بالرحيل، فمنعهم الحر فقال الحسين له: ثكلتك أمك ما تريد؟!.. قال الحر: أما والله، لو غيرك من العرب يقولها لي، وهو على مثل الحال التي أنت عليها، ما تركت ذكر أمه بالثكل أن أقوله، كائنا من كان.. ولكن والله مالي إلى ذكر أمك من سبيل، إلا بأحسن ما يقدر عليه.

نعم، هذان الموقفان: الصلاة خلف الإمام، وهذا الإجلال لأمه فاطمة (ع).. من أسباب نجاة الحر!..

- إن هذه وثيقة للشباب، ليجعلوا الحق نصب أعينهم في كل حركة: علي بن الحسين، هذا الشاب الذي كان يمثل النبي المصطفى (ص) جمالاً وبهاءً.. كان من أصبح الناس وجهاً، وأحسنهم خلقاً، ونقل أنّه كان يشبه بجدّه رسول الله -صلّى الله عليه وآله وسلّم- في المنطق، والخَلق، والخُلُق.. وروى أبو مخنف عن عقبة بن سمعان: أنّه لمّا ارتحل الحسين -عليه السلام- من قصر بني مقاتل، خفق وهو على ظهر فرسه خفقة ثمّ انتبه، وهو يقول: (إنّا لله وإنّا إليه راجعون، والحمد لله ربّ العالمين)، فعل ذلك مرّتين أو ثلاثاً، فأقبل ابنه عليّ بن الحسين فقال: "ممّ حمدت الله واسترجعت"؟.. فقال: (يا بنيّ!.. إنّي خفقت خفقة، فعنّ لي فارس على فرس، وهو يقول: "القوم يسيرون و المنايا تسير إليهم".. فعلمت أنّها أنفسنا نعيت إلينا).. فقال له: "يا أبه، لا أراك الله سوءاً، ألسنا على الحقّ"؟.. قال: (بلى والذي إليه مرجع العباد)!.. قال: "فإنّنا إذن لا نبالي أن نموت محقّين".. فقال له الحسين (عليه السلام): (جزاك الله من ولد خير، ما جزى ولداً عن والده)!..

- إن الإمام الحسين (ع) أول ما وصل إلى كربلاء، أراد أن يعرف ضمائر من كان معه من أصحابه، فقال: (الناس عبيد الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم، يحوطونه ما درّت معايشهم.. فإذا محّصوا بالبلاء؛ قلّ الديّانون).. نعم، علينا أن نكون صادقين فيما ندعيه، وإلا فالادعاء سهل، ولكن أين الصدق في ذلك؟!.

- إن الحر ضرب فرسه قاصداً إلى الحسين (عليه السلام)، ويده على رأسه، وهو يقول: اللهم!.. إليك أنيب، فتب عليّ!.. فقد أرعبت قلوب أوليائك، وأولاد بنت نبيّك!.. فلما دنا منهم، قلب ترسه فقالوا: مستأمن، حتى إذا عرفوه سلّم على الحسين، وقال: جعلني الله فداك يا بن رسول الله!.. أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع، وسايرتك في الطريق، وجعجعت بك في هذا المكان!.. والله الذي لا إله إلا هو، ما ظننت أن القوم يردّون عليك ما عرضته عليهم أبداً!.. ووالله لو ظننتهم لا يقبلونها منك ما ركبتها منك!.. وإني قد جئتك تائباً مما كان منّي إلى الله، ومواسياً لك بنفسي حتى أموت بين يديك.. فهل ترى لي من توبة؟.. قال (عليه السلام): (نعم!.. يتوب الله عليك، ويغفر لك، فانزل).. قال: أنا لك فارساً خيرٌ منّي راجلاً، أقاتلهم على فرسي ساعة، وإلى النزول يصير آخر أمري.. قال (عليه السلام): (فاصنع -يرحمك الله- ما بدا لك).. استأذن الحرّ الحسين (عليه السلام) للقتال، فأذن له.. فحمل على أصحاب عمر بن سعد، وجعل يضربهم بسيفه، حتى قتل نيفاً وأربعين رجلاً، ثمّ حملت الرجالة على الحر، وتكاثروا عليه... فاحتمله أصحاب الحسين حتى وضعوه بين يديه (ع) وبه رمق، فجعل يمسح التراب عن وجهه ويقول: (أنت الحرّ كما سمتك أُمّك، حرًّ في الدنيا، وسعيد في الآخرة).. هذا الوسام الذي تعلق على صدر الحر، سيبقى وساماً أبدياً.

- إن الحسين (ع) كان يودع بنفسه كل من أراد أن يخرج للقتال، ويقول: {فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا} من هؤلاء الذين ودعهم الحسين هناك من يسمى بوهب.. ثم برز وهب بن عبد الله الكلبي، وكان نصرانياً ومعه أمه وزوجته، فأسلموا على يد الحسين في أثناء الطريق، ورافقوه إلى كربلاء.. فأقبلت أمه وقالت: يا بني!.. قٌم وانصُر ابن بنت رسول الله.. فقال: أفعل يا أماه ولا أقصّر.. فقتل جماعة منهم، ثمّ رجع إلى أمّه وقال: يا أماه ارضيِ عنّي؟.. فقالت: ما رضيتُ حتى تقتل بين يدي الحسين، فقالت امرأته: بالله عليك لا تفجعني في نفسك، فقالت أمه: أعزب عنها ولا تقبل قولها، وارجع وقاتل بين يدي ابن بنت رسول الله؛ تنل شفاعة جدّه يوم القيامة.. فرجع فلم يزل يقاتل حتى قتل تسعة عشر فارساً وعشرين راجلاً، ثم قطعت أصابع يده، وأخذت امرأته عموداً وأقبلت نحوه وهي تقول: فداك أبي وأمي!.. قاتل دون الطيّبين حرم رسول الله، فأقبل كي يردّها إلى النساء، فأخذت بجانب ثوبه وقالت: لن أعود أو أموت معك، فقال لها: كنت تنهينني عن القتال والآن تحرّضينني؟.. قالت: يا وهب!.. لقد عفتُ الحياة منذ سمعت نداء الحسين ينادي: واغربتاه!.. واقلّة ناصراه!.. أما من ذابّ يذبّ عنّا؟.. أما من مجير يجيرنا؟.. ثم استعان وهب بالحسين، وقال: سيدي ردّها، فقال الحسين: (جزيتم من أهل بيت خيراً)!.. إرجعي إلى النساء يرحمك الله، فانصرفت، وقتل وهب ورموا برأسه إلى عسكر الحسين، فأخذت أمّه الرأس فقبّلته وجعلت تمسح الدم من وجهه وهي تقول: الحمد لله الذي بيّض وجهي بشهادتك -يا ولدي- بين يدي أبي عبد الله الحسين.. ثم رمت بالرأس، وأخذت عمود الخيمة، فقال لها الحسين: "ارجعي يا أم وهب أنت وابنك مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله)".. فذهبت امرأته تمسح الدم والتراب عن وجهه وهي تقول: هنيئاً لك الجنّة!.. فبصر بها شمرٌ، فأمر غلامه فضربها بعمود فقتلها.. هي أول امرأة قتلت في عسكر الحسين.

- إن الحسين (ع) لما برز علي الأكبر إليهم، أرخى عينيه فبكى، ورفع سبابته نحو السماء وقال: (اللهم!.. اشهد على هؤلاء القوم، فقد برز إليهم غلام أشبه الناس خَلقا وخُلقا ومنطقا برسولك، كناّ إذا اشتقنا إلى نبيّك نظرنا إلى وجهه.. اللهم!.. امنعهم بركات الأرض، وفرّقهم تفريقا، ومزّقهم تمزيقا، واجعلهم طرائق قددا، ولا تُرضِ الولاة عنهم أبدا.. فإنهم دعونا لينصرونا؛ ثم عدوا علينا يقاتلوننا).. ثم صاح الحسين بعمر بن سعد: (ما لكَ؟.. قطع الله رحمك!.. ولا بارك الله لك في أمرك، وسلّط عليك من يذبحك بعدي على فراشك، كما قطعت رحمي ولم تحفظ قرابتي من رسول الله (ص)).. ثم رفع الحسين (ع) صوته وتلا: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} ثم حَمل علي بن الحسين على القوم، وهو يقول:
أنا علي بن الحسين بن عليّ *** من عصبة جد أبيهم النبيّ
والله لا يحكم فينا ابن الدعيّ *** أطعنكم بالرمح حتى ينثني
أضربكم بالسيف أحمي عن أبي*** ضرب غلام هاشمي علويّ


فلم يزل يقاتل حتى ضج الناس من كثرة من قُتل منهم، ورُوي أنه قتل على عطشه مائة وعشرين رجلاً، ثم رجع إلى أبيه وقد أصابته جراحات كثيرة، فقال: (يا أبه!.. العطش قد قتلني، وثقْل الحديد أجهدني، فهل إلى شربةٍ من ماء سبيل أتقوى بها على الأعداء)؟.. فبكى الحسين (ع) وقال: (يا بني!.. يعزّ على محمد وعلى علي بن أبي طالب وعليّ، أن تدعوهم فلا يجيبوك، وتستغيث بهم فلا يغيثوك.. يا بني!.. هات لسانك)!.. فأخذ بلسانه فمصّه، ودفع إليه خاتمه وقال: (أمسكه في فيْك وارجع إلى قتال عدوك، فإني أرجو أنك لا تمُسي حتى يسقيك جدك بكأسه الأوفى شربة لا تظمأ بعدها أبدا)، فرجع إلى القتال وهو يقول:
الحرب قد بانت لها الحقائق *** وظهرت من بعدها مصادق
والله رب العرش لا نفارق *** جموعكم أو تُغمد البوارق


فلم يزل يقاتل حتى قتل تمام المائتين، ثم ضربه منقذ بن مرة العبدي على مفرق رأسه ضربةً صرعته، وضربه الناس بأسيافهم، ثم اعتنق فرسه فاحتمله الفرس إلى عسكر الأعداء فقطّعوه بسيوفهم إربا إربا، فلما بلغت الروح التراقي قال رافعا صوته: (يا أبتاه!.. هذا جدي رسول الله (ص) قد سقاني بكأسه الأوفى شربة لا أظمأ بعدها أبدا، وهو يقول: العجل العجل!.. فإن لك كأسا مذخورة حتى تشربها الساعة).. فصاح الحسين (ع) وقال: (قتل الله قوما قتلوك، ما أجرأهم على الرحمن وعلى رسوله، وعلى انتهاك حرمة الرسول.. على الدنيا بعدك العفا)!..
قال حميد بن مسلم: فكأني أنظر إلى امرأة خرجت مسرعة كأنها الشمس الطالعة تنادي بالويل والثبور، وتقول: "يا حبيباه، يا ثمرة فؤاداه، يا نور عيناه"!.. فسألتُ عنها، فقيل: هي زينب بنت علي (ع).. وجاءت وانكبّتْ عليه، فجاء الحسين (ع) فأخذ بيدها فردها إلى الفسطاط، وأقبل (ع) بفتيانه وقال: (احملوا أخاكم)!.. فحملوه من مصرعه، فجاؤا به حتى وضعوه عند الفسطاط الذي كانوا يقاتلون أمامه.


التوقيع

لو غاب عنك محب أسال شنوا أخباره



طير الهجر بالبعد هم يذكر دياره



عسى عمرك ورده مايذبل



عسى كلامك الحلو دوم عني يسأل



كلمن ذكرني بطيب بطيب أجازيه



وفرشلة رموش العين وبعيوني أغطيه