عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 2008-12-10, 08:23 PM
meme meme غير متواجد حالياً
:: سائح فعال ::
 



قيمـــــــــة التسامــــح

تأمّلتُ كلمة التسامح فوجدتها عذبةً في اللِّسان، سلسلةً في المنطوقِ، رقيقةً، ذات رنينٍ جميلٍ في السَّماعِ، لكنّها ثقيلةً على النّفس، يقبلها العقلُ كلمةً مجرّدةً لكنّه يجدُ كُلفةً في تطبيقها واقعاً ..!! فماذا الذي يمنعُ كثيراً من البشرِ من تطبيقها، ورفضِ التخلُّقِ بها، وتحبيذِ الغلظةِ، والحدّةِ، والغضبِ، والكبرياءِ بديلاً عنها..؟!

إن "المسامحَ كريمٌ" كما يقالُ في المثل، وكرمهُ هذا يصدرُ من نفسٍ زكيّةٍ، واسعةٍ لا تضيقُ مع أغلاط الناسِ، ولا تتكدّرُ مع سقطاتِ أنفسهم، ولا تهيجُ لإستفزازاتهم .. إنّه كريمٌ لأن الكرمَ هو بذلُ العطاءِ في وقت الشدّةِ، والشدّةُ هنا حينَ يُغلظُ الناسُ في قولهم المهين، ونقدهم المشين، فيقابلهُ هو بعطاءِ التسامحِ والعفو، وهنا يعلو بمكانتهِ فوقهم مكانةً، ويسمو بخلقهم مرتبةً يحسده عليها النّاس.

إن مصيبةُ أغلبُ البشرِ في أنّهم غير متسامحين، يهيجونُ للكلمةِ الخارجةِ - دون قصدٍ - عن مسارها، ويؤِّلونها كما تصوّر أنفسهم الضيّقة، وعقولهم التي لا تحملها حقيقةَ أن عظمةِ النّفس تكمنُ في التّسامحِ فهو خُلقٌ لو تحلّى به المرءُ لعلى منزلةً ، وارتفع قامةً بين النّاس..!

ولو نظرت لأكثرِ خصوماتِ النّاس لقلت : إنّهم لو كانوا متسامحين لما تخاصموا ..!! ولو عفوا لما كابدت قلوبهم من الضيقِ ، والبغضِ، والحقدِ، والمشاكساتِ ما كابدت ..! ولعاشوا كبارَ النفوسِ، لا تغيبُ الابتسامةَ عن شفاههم، ولا يفارقُ البِشْرُ وجوههم ..يقول سيدنا علي رضي الله عنه: من لانت كلمتهُ وجبت محبّته، وحلمك على السّفيهِ يكثرُ أنصارك عليه.

ويفهمُ أنّ من أنزلَ نفسه إلى مرتبةِ السّفيهِ حطَّ من قدرِ نفسهِ وخلطَ الناسُ عندها بينه وبين السّفيهِ ..! يخبرني أحدُ الأصدقاءِ أن رجلاً جاءه مدفوعاً بكبرياءٍ زائفةٍ ، ونفسٍ مغرورةٍ ، يأمرهُ بفعلٍ شيءٍ لا توافقهُ نفسه على فعلهِ وحين يئسِ منه هذا الرّجل رأى من رفضهِ إهانةً لشخصه ، فوجّه إليه كلمةً مُهينةً ، لكنّ الصاحبَ الذي يُخبرني ردّ عليه بالكبرياءِ الصادقِ، والأنفةِ الأصيلةِ: سامحك الله..!! ولقد كانت هذه الكلمة كالسهمِ الجارحِ على قلبِ ذلك الموهوم بعزّةِ نفسهِ ..! وحين أسمع رجلٌ سيدنا عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه بعض ما يكره ، ردّ عليه: لا عليك، إنّما أردتَ أن يستفزّني الشيطانُ بعزّة السلطانِ ، فأنالُ منك اليومَ ما تنالهُ مني غداً ، إنصرف إذا شئت..!!

إن الواحدَ منّا إذا استطاعَ أن يستبدل الغضب بالحلم، والعجلةَ بالأناةَ فإنّه لا شكَّ سيكونُ في مأمن ، فإننا نستطيعُ أن نقرّر ردّةَ أفعالنا بشرطِ أن نتمهّل في الردِّ، وحينها سنفكّرُ بشيءٍ هام وهو أن لا نؤذي أنفسنا ، فإذا أيقنّا بذلك توقّفنا عن ردّة الفعلِ المنتقمةِ وانتصرنا لأنفسنا بالتسامحُ ، يقول الله العفّو الكريم (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) الشورى/40.كثيرٌ من الناسِ يترصّدون الأخطاءَ من أقربِ الناسِ إليهم، لا تعرفُ أنفسهم التّسامح إن أخطأ فيهم أحد ، ولا تركنُ إلى العفوِ إن نالها أحدٌ بغير قصد .. هؤلاءِ يكونُ التعاملُ معهم كما يورد ديل كاينجي عن فقرةٍ وردت في نشرةٍ صادرة ذات يومٍ من الشرطةِ الأمريكية في إحدى المدن، تقول" إذا سوّلت لقومٍ أنفسهم على أن يسيئوا إليك ، فامحُ من نفسك ذكراهم ، ولا تحاول الإقتصاص منهم ، إنّك إذا تبيِّت نيّة الإنتقام تؤذي نفسك أكثر مما تؤذيهم" .. هذا هو بالفعل ما سيحصلَ للنّفس فالمنتقمِ يؤذي نفسه قبل أن يؤذي الآخرين.
قصَّ عليَّ أحد المقرّبين يقول: أنّه كان يطلبُ القُربى من أناسٍ ، لكنّ بعضهم كاد له المكائدَ كي يُثنيهِ عن مقصدهِ ، ويردّه عن مبتغاه ، ونفسهُ تجاهدُ كي تظفرَ بآمالهِ ، وتحقيق أحلامهِ فيمن كان يراها الامرأة التي يستطيبُ لها قلبهُ ، ويسعدُ بها معاشه ، فلمّا أن مكّنه الله وحقّق له ما أرادَ لم يجد في نفسهِ ذرّةً من غرورِ الإنتصارِ على الرّافضينِ ، وإنّما سامحهم وعفا عنهم ، فصارت بينه وبينهم أُدمةً طيّبة ، وسيرةً حميدة.
إنك لتكسبُ النّاس حين تعفو عن زلاّتهم ، وتغفر لأخطائهم ، وتفسّرها على أنّها غير مقصودة ، وأنّها لن تنتقص من شخصك شيئاً ، وأن تعلم أن الشيطان ينزغ بين النّاس ويدخل في دمائهم فلا تركنُ إلى وساوسهم ، وأغلبُ الناس يقرأون الآية الكريمة "إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ" الحجرات/12 ، فيقولون : إنّ بعض الظنِّ فقط هو إثم .. محاولين تعضيدَ ظنونهم التي لا تدخل في باب الإثم ، لكن أحرى بهم أن يتمثّلوا بالآيةِ من أوّلها فيقرأوها كاملة ، حيث يقول الله تعالى "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ" الحجرات/12 ، إذن فإن أكثر الظّنِ مبغوضٌ. يوردُ ابن كثير في تفسيره للآيةِ مقول سيدنا عمر بالخطاب التي قول فيها : وَرُوِّينَا عَنْ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : وَلَا تَظُنَّنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ أَخِيك الْمُؤْمِن إِلَّا خَيْرًا وَأَنْتَ تَجِد لَهَا فِي الْخَيْر مَحْمَلًا.. أتذكّر أن رجلاً كان يتحدّثُ في برنامجٍ إذاعيِّ عن قيمةِ التسامح ، ثم حين ذُكرِ إسمه تذكّرتُ موقفاً لهذا الرّجل يُقصيهِ عمّا يتشدّق به
من التسامحِ ، لقد هاجم من لم يوافقهُ في فكرهِ ومعتقدهِ وظنّ به ظنّاً غير حميد ..!! فإذا كان التسامحُ مطلوباً عند غير أتباعِ العقيدةِ الإسلاميةِ فما بالك بالمسلم .. والقاعدة التي تؤسس لذلك هي "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ "الحجرات/13 ، وهي تأتي - سبحان الله - بعد النّهي عن الظنِّ والتجسّس والغيبة ..!! التسامح إذن ليس شعاراً يُرفع وإنما واقعاً يُمارس مع المخالفين أولاً على نطاقٍ واسع وهذا ينطلق من التوجيه السماوي "ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ "النحل/125 ، ويؤسفني أن أرى أُناساً يدّعون التسامحَ وهم أغلظُ النّاس قلوباً إن تعرّضوا لما يغضبهم لأنفسهم وليس للحقِّ ، ويتّخذون من التسامحِ شعاراً برّاقاً فإذا خالفهم أحدٌ في الرأيِ خرجوا من العباءة الزائفة التي كانوا يتلفعون بها فإذا بهم على حقيقتهم دون مواربةً ضيّقوا النفوسِ ، مستعجلون في التُّهمةِ، متهوّرون في الظّن، وهكذا فلن تعرفَ حقائق الناس إلاّ عند التجارب فهي التي تُظهرهم على حقيقتهم..!!


التسامحُ خُلقٌ عظيم لا ينالهُ إلاّ عظيم النّفس ، واسعُ القلبِ ، ذلك الذي يثق بنفسهِ عند الأهواءِ والمغرياتِ، فلا تستفزّه كلمةٌ طائشة، ولا فعلٌ متهوّر، وهو ثابتٌ كالجبلِ الشامخِ، الأصم أمام صغار النفوسِ، وأقزام القامات، أو هو عفوٌّ عند قدرتهِ على الانتقامِ، أو متسامحٌ لما خالف رأيه من الآراءِ .. هكذا ينالُ المرء عظمته، ويعلو شأنه... وهذا ما يجبُ أن يكون عليه المسلم


www.malaysia29.comتحياتــــــــــــــــــــــــيwww.malaysia29.com


التوقيع

www.malaysia29.com
www.malaysia29.com
من مواضيعي :
۩ اختر لك رقم وجاوب على السؤال
اعتذر لقلت تواجدي بلمنتدىا لضروف عائلية