عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 2010-01-10, 09:18 PM
¢أسہہد الہغہزالہية¢ ¢أسہہد الہغہزالہية¢ غير متواجد حالياً
:: سائح جديد ::
 



الانسان بين الزمان والمكان

يحسن قبل الخوض في العلاقة بين الإنسان والزمان .. وبين الإنسان والمكان أن نعرف كل عنصر من عناصر هذا الثالوث تعريفاً لغوياً منطقياً عقلانياً يسهل إدراكه ومعرفة مضمونه دون تعقيد أو إبهام .
فالإنسان هو الكائن الحي الذي وهبه الله العقل وحمله الأمانة وميزه عن سائر المخلوقات بالتميز والإدراك ليكون قيما على الأرض .. وكرمه كرامة إلهية لا توازيها كرامة ولم تدركها سائر المخلوقات .
ولنبدأ بمدلول كلمة ( إنسان ) لغويا :
فإنسان من أنس ، وأنس فعل ماض مصدر .. فالأنس جماعة الناس ، والأنس خلاف الوحشة ، والأنس : البشر والواحد أنسى .. والإنسان للمذكر والمؤنث مأخوذ من الانس .. وفي لغة أنسيان من النسيان .. حيث روى عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال : إنما سمى الإنسان إنسانا لأنه عهد إليه فنسى .. وصغروه على إنيسيان .. وسمى الإنسان إنسانا لأنه يأنس بمن حوله ، ويأنس به من حوله .. مأخوذ من الإيناس خلاف الوحشة .. والإنس أيضا : الطمأنينة .
وأنس الشيء إذا أحسه ورآه .. وأنست بفلان أي فرحت به .. ويقال للرجل آنس وأنيس: حلو الحديث طيب العشرة.. والمرأة آنسة: طيبة الحديث وجارية آنسة إذا كانت طيبة النفس تحب قربك وحديثك كما في قول الكميت:
فيهن آنسة الحديث حبيبة * * * ليست بفاحشة ولا مثقال
وتجمع آنسة على آنسات وأوانس .
والأنس في النهاية هو الإحساس بالشيء .. أما بالسمع أو بالنظر أو باللمس أو بالشم أو العلم بالشيء على التقدير .
هذا هو باختصار شديد تعريف الإنسان في اللغة .
ولقد عرفه القرآن الكريم بأنه الكائن المكلف في عدد من آياته التي تخاطب العقل بكل ملكة من ملكاته كما في الآية الكريمة : "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً" (سورة البقرة الآية 30).
وقوله " إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً" (سورة الأحزاب الآية 72).
وقوله تعالى "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ" (سورة الذريات الآية 56).
وهذا هو التعريف الشرعي للإنسان لأنه وهو الكائن الناطق كما يعرفه المنطقيون لا يكون شيئا ما لم يكن أهلا للتكليف وحمل المسئولية كما أشار القرآن الكريم إلى ذلك في أكثر من موضع .
والإنسان ليس ذلك الهيكل العظمي المكسو باللحم فقط.. بل هو أكبر من ذلك بكثير بما احتوى عليه خلقه الذي يضم القلب والنفس والروح والعقل..
فالقلب جزء من التكوين الجسماني وهو موجود في الأحياء والأموات والبهائم إلا أن قلب الإنسان له خاصية أن الله ميزه بلطيفة ربانية وهي حقيقة الإنسان التي تحتوي الإدراك والعلم والمعرفة والتميز وتلقي الخطاب والعتاب والمعاقبة والمطالبة .
أما الروح .. وهو ما أعجز العقول والإفهام عن إدراك حقيقته .
والنفس .. وهي نفس الإنسان وذاته وهي التي يتوجه إليها الحمد والذم .
والعقل .. وهو ما يدرك به العلم .. وهو مستعد لقبول حقائق المعلومات العقلية .. وهي ما تقضي به الغريزة ولا توجد بالسماع أو النقل أو التقليد .
والمعلومات المكتسبة وهي المستفادة بالتعلم والاستدلال .
وقد فصل بينهما الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه حيث قال :
رأيت العقل عقلين * * * فمطبوع ومسموع
ولا ينفع مسموع * * * إذا لم يك مطبوع
كما لا تنفع الشمس * * * وضوء العين ممنوع
والإمام الغزالي لا يفرق بين هذه الخواص إلا في الألفاظ والتسميات .. فالنفس والروح والعقل كلها تسميات للقلب الذي في الصدر كما ورد في القرآن الكريم "فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ" (سورة الحج الآية 46).
وبهذه الخاصية العقلية التي أفرد الله بها الإنسان وميزه بها وجعله خليفة في الأرض اندفعت مسيرة البشرية منذ أن خلق الله سبحانه وتعالى أبانا آدم عليه السلام حتى الآن وحتى تقوم الساعة ناهضة بعمارة الأرض .. ورفع راية الألوهية .. وخاضعة لعز العبودية .. ممجدة لذلك الخالق العظيم الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم ورفع منزلته بالتكريم "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَم" (سورة الإسراء: من الآية70) .
ومن أهم السمات المميزة للإنسان أنه يستطيع التفكير في قدرته على العمل.. فهو بعد سن الطفولة كائن قادر على وعي ذاته .. ولما كان لكل فرد وجدانه الخاص فكل إنسان كائن فريد لا من حيث شكله وبنيته الجسدية فحسب بل لأن فيه تيار من الوعي مستمر ومتكامل لا يشاركه فيه كائن إنساني آخر .
والإنسان كما حدده موسيو دو بولو ( عقل تخدمه أعضاء ) غير أن هذا التحديد بما فيه من أناقة واختصار ووضوح فإنه لا يدل دلالة كافية على ما يتمتع به الإنسان من النشاط والسرعة التي هي إحدى خصائص الجنس البشري التي يتميز بها عن الحيوان .. لأن الإنسان يتصرف بموجب فكره تجاه كل من حوله .. بينما الحيوانات تتصرف بموجب العادة .. حيث أن الإنسان وحده هو الذي يخترع ويتفنن في أساليب معيشته ووسائلها بعكس الحيوانات التي ظلت ولا تزال على ما كانت عليه منذ أن خلق العالم وجميع أفعالها واحدة لا تتغير .
ولا يستطيع الإنسان أن يعيش بمعزل عن الهيئة الاجتماعية لأنه ينال منها أشياء ويستمد منها حاجات لابد له منها .. ومن هذه الأشياء الإشارات التي بدونها لا يتثقف عقله .. ولا تنمو مداركه .. حيث أنها تحفظ له ميراثا وافراً من المعرفة مما جعله من أقوى الكائنات .. لأن للإنسان قوة عظيمة على الاقتداء بأمثاله أو من هم أحسن منه إلى درجة أنه يحس في كثير من الأحيان بما يحس به غيره .. لأن الهيئة الاجتماعية هي التي تكسبه الأفكار والعقائد والتقاليد والعادات التي تحدث بتوالي الأجيال ما يسمى بالأجناس .. لأنها أقدر من الهواء والغذاء على إحداث التغيير الذي يطرأ على تسلسل حياته .. وهذا يدل على أن الإنسان لا يستطيع بمفرده أو من نفسه بعيدا عن الهيئة الاجتماعية على تحصيل الأفكار أو الحجي أو الاختراعات إلا إذا رسمها بعلامات جعلها قابلة للانتقال منه إلى من يليه حيث تتداول من جيل إلى جيل .
ومن هنا كانت لغة التخاطب لدى الإنسان والكتابة والرسم أدوات تعبيرية استطاع بها أن يحفظ تراثه وحضاراته المتوارثة من جيل إلى جيل وأن يستخدمها لرصد مستقبله وتنمية مواهبه وقدراته الذاتية .. ثم تنتقل من فرد إلى فرد لتصبح ملكا للهيئة الاجتماعية من حوله لتصبح في النهاية تراث أمة وحضارة جيل أو أجيال لاحقة .
وحتى ندرك هذه الحقيقة يمكننا الرجوع إلى مقدمة العلاّمة ابن خلدون (الإنسان والمجتمع) .
والإنسان هو المخلوق المتميز بالفكر الباحث عن الحقيقة .. والمجادل في سبيل تحقيق الهدف .. ( الإنسان أكثر شيء جدلاً ) .. فالكفار يجادلون لطمس الحق دون علم "وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ" (سورة الحج من الآية 8) .. والمؤمنون يجادلون لإظهار الحق والنهوض بدعوة التوحيد لكن بطريقة تختلف عن جدل الكفار .. إذ أن طريقة الدعاة المؤمنين تتخذ أسلوبا يتميز بأدب الجدال "وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" (سورة النحل من الآية 125) . وينهى الحق سبحانه وتعالى عباده المؤمنين بألا ينهجوا أسلوب الكفار في السب والتعرض للآلهة بفاحش القول ( ولا تسبوا ألهتهم فيسبوا الله عدوا بغير علم ) .
إذا فالجدل غريزة إنسانية .. جدل يستهدف طمس الحق وإنكاره وهو جدل الكفار .. وجدل يستهدف إظهار الحق والدعوة إليه وهو جدل المؤمنين .
والإنسان منقسم من حيث النوع إلى ذكر وأنثى .
ومن حيث الخصائص والأهداف والغايات إلى مؤمن وكافر.. تقي وعاص.. شقي وسعيد .. غني وفقير .. عالم وجاهل .. صالح وفاسد .. عامل وخامل .. قوي وضعيف .
لما كان الإنسان حادث على الزمان الذي هو البداية بلا نهاية فيجدر بنا أن نتناول في هذه الحلقة الزمان .. وهو العصر .. والقليل منه الوقت .. وقيل الزمان ستة أشهر أو من شهرين إلى ستة أشهر .. وهو امتداد موهوم غير قار الذات .. متصل الأجزاء .. وزعم بعض المتكلمين أن الزمان هو مرور الأيام والليالي ومقدار حركة الفلك من القرون إلى السنين ومن السنين إلى الشهور .. ومنها إلى الأيام وتحول الأيام إلى ساعات .. يقول المعلم بطرس البستان :
هو أنفس رأس مال به يكتسب كل سعادة .. وأنه يضمحل شيئا فشيئا .. ولما كان الزمان غير معروف النهاية تعذر تحديد مدته وتعريفه .. فإنه أمر لا يقع تحت الإحساس ولم يعلم أوله من آخره .. فالماضي البعيد مجهول البداية وغير معلوم النهايات لذلك تعذر على الإنسان تعريف الزمان لأنه شيء يعجز عنه إدراكه وثواقب فكره .
أما من الناحية اللغوية فإن الزمن والزمان اسم لقليل الوقت وكثيره .. وقيل الزمن والزمان : العصر .. والجمع أزمن وأزمان وأزمنة .. وأزمن بالمكان : أقام به .. وقال بعضهم : الدهر والزمان واحد .. إلا أن هناك من يخصص الزمان بفترة معينة كقولهم : الزمان زمان الرطب والفاكهة .. أو زمان الحر والبرد .. ويكون من شهرين إلى ستة أشهر .. وقد يقع على الفصل من فصول السنة .. وعلى مدة ولاية الرجل .
والزمن قصير في ماضيه طويل في مستقبله .. أما حاضره فإنه يتسرب من عمر الإنسان بين يقظة ونوم .. وعمل وبطالة .. وشدة ورخاء .. وطاعة ومعصية .. وهو أيضا طويل على المكروبين والمهمومين والمرضى والمساجين .. قصير على السعداء الفرحين الذين وهبهم الله الصحة ورغد العيش .. يذهب من أعمارهم فلا يحسون بالماضي ويقضون أعمارهم في انتظار الزمن الآتي وهم يعلمون تمام العلم أن الماضي لن يعود وأن الآتي لا يأتي إلا مع فسحة الأجل في الدنيا .. فإذا تساوى فيه الماضي والآتي ليكون بذلك جملة عمر الإنسان ليصبح بذلك في خانة الماضي الذي لن يعود فيتحول لدى الأحياء مجرد ذكريات ..
أما بالنسبة للأموات فإنه سجل حافل بالأعمال.. فكتاب باليمين وكتاب بالشمال حيث يكون الإحساس الحقيقي بالزمن الذي ضاع حيث يتمنى الإنسان الرجوع لتلافي ما كان منه وهو مطلب مستحيل التحقيق إلا ما شاء الله.
وفي هذا السياق يقول كريس موريسون :
لقد أدت الفصول المتعاقبة إلى التزام الإنسان بزيادة الضبط والدقة في قياس الزمن وتسجيله بشتى الوسائل .. إذ أصبحنا في حاضرنا نسجل الساعات والدقائق والثواني والجزء على الألف من الثانية .. إذ أننا كلما قربنا من ضبط الوقت تماما زادت حاجتنا إلى الاستزادة من معرفتنا بشتى العلوم .. خصوصاً الرياضة العالية التي لا مندوحة عنها .. فالإنسان كلما اقترب من الإدراك الكامل للزمن يغترف في الوقت نفسه من إدراك بعض قوانين الكون الأبدية .. ومن معرفة الخالق سبحانه وتعالى .. حيث تولى القرآن الكريم وهو كتاب الله بسط الحديث عن الزمن في أكثر من آية من آياته .. فقد ذكر الدهر والقرون الأولى والسنين والأشهر .. وخصص بعض الأيام بأسمائها "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَة" (سورة الجمعة الآية 9)"، "إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِم" (سورة الأعراف آية 163).. ثم أشار إلى أوقات معينة في الليل والنهار .. ففي الليل: وقت العشاء .. حيث أن ما بعد العشاء هو السبات ، وفي النهار : الفجر . والضحى، والعصر .. ثم ذكر ما هو أقل من النهار والليل .. ساعة من نهار .. وقد وردت في أكثر من سورة .
إن احتفال القرآن الكريم بالزمن .. وبيان أهميته دليل بالغ على قيمته وارتباطه بحياة الكون .. غير أن الإنسان وحده ينفرد بمعرفة الزمن .. ومن سيطرته عليه يتعلم النظام والدقة في جميع شئون الحياة .. إذ أنه بمعرفته للزمن وإدراكه لقيمته يستطيع أن يحدد أوقاته حسب مقتضيات ظروفه الحياتية ..
ولا يقتصر هذا على الإنسان بل يتعداه إلى الكائنات الأخرى التي منحها الله إحساساً فطرياً بالزمن .. فالطيور لها وقتها المحدد للطيران والهجرة إلى أماكن أخرى بحثا عن الغذاء والدفء أو البرودة .
والأسماك في البحار لها أوقات معينة لوضع بيضاتها .. وكذلك البذر والحصاد .. لكل شيء وقته الذي حدده الله له وقدره عليه في نظام دقيق لا يكاد يخرج عن نطاقه مخلوق أوجده الله على هذه الأرض .
ولقد أجمع الحكماء على أن الزمان هو أثمن ما في الوجود .. فالآجال والأعمال والماضي والحاضر والمستقبل كل ذلك داخل ضمن إطار الزمان .. لأن وجود المخلوقات من إنس وجن وبهائم وأشجار وأحجار وسائر ما ينالون به الرفعة أو الضعة كل ذلك داخل في الزمان محاط به .. وقد قال بعض الحكماء :
إن أحببتم الحياة فاقصدوا من زمانكم وأحسنوا الانتفاع به فإن حياتكم متآلفة منه.. قائمة به.
ولذلك فإن معظم ضرر الناس ناتج عن قلة احتفالهم بالزمان وعدم المحافظة عليه وإغفالهم ما يعرض فيه من الفرص التي إذا مضت استحال إدراكها وقل أن يعرض لمثلها ..
وقد جاء الأثر خذ من أربع لأربع .. من صحتك لمرضك ومن شبابك لهرمك ومن قوتك لضعفك ومن حياتك لموتك .. لأن الإنسان إذا تنبه لماضيه وحاضره واتخذ منهما الدرس والعبرة فإن ذلك يقيه طوارق المستقبل وعدم تكرار الأسى على ما فات من الزمان .
وقد قسم الزمان من حيث الكمية إلى قرن وهو مائة عام .. والعام وهو اثنا عشر شهرا "إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ" (سورة التوبة الآية 36) .
واليوم ليلاً ونهاراً أربعاً وعشرين ساعة ..
وقسموا الساعة إلى ستين دقيقة .. والدقيقة إلى ستين ثانية ..
وفي القرآن نجد آية من الآيات الكثيرة المتعلقة بالإنسان وعلاقته بالزمان تتحدث عن بداياته الحمل والطفولة هي قوله تعالى : "وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرا" (سورة الأحقاف الآية 15) ..
إن الزمان عمر اللحظة، وعمر النسمة العابرة التي نستنشق هواءها ، وعمر النبتة والشجرة التي تستظل بها، وعمر الإنسان .. والأرض التي يسير عليها، وعمر الخليقة منذ أن أوجدها لله سبحانه وتعالى .
ولكن المعجز في الزمان أن اللحظة التي تفوت منه لا تعود .. إن الإنسان قادر على إعادة أشياء كثيرة إلى ما كانت عليه .. بل أحسن مما كانت عليه ما عدا الزمان فإنه لا يستطيع استعادة ما فات منه .. بل تذهب في حساب الخسائر من عمره بلا عوض .
فالزمان هو الحياة بما فيها من ساعات الفرح والسرور وساعات الهم والحزن .. وبما فيها من سخط ورضى .. وضحك وبكاء .. ولهو وجد .. وطاعة ومعصية .. وإيمان وكفر .. وفقر وغنى .. وهو السنين والأعوام وما يختلف منها من فصول الحر والبرد .. وربيع وخريف .. وليل ونهار.
هو الحياة الصافية المليئة بالحركة والعمل والإنتاج .. وهو عمر الحضارات وما تعاقب عليها من أجيال ..
وهو الأجل الذي يقصف الأعمار للصغار والكبار من جميع المخلوقات .. وهو ما بعد الموت وما فيه من حساب وعقاب .. وخلود في الجنة أو خلود في السعير .
هذا هو الزمان الذي يتسرب من أعمارنا فلا ننتبه له إلا بعد أن يصبح ماضيا .. ونعيش لحظاته الحاضرة دون خوف من لحوقها بذلك الماضي .. ونتشوف إلى آتيه عاقدين عليه الأمل لأنه المستقبل دون أن نحس بأن حلول المستقبل يعني رحيل الحاضر ورحيل الحاضر يعني الماضي الذي لا يعود .
إن الحياة بأركانها الثلاثة : الماضي والحاضر والمستقبل .. مزرعة .. فما يزرعه الإنسان في الماضي يحصده في الحاضر .. وما يزرعه في الحاضر يحصده في المستقبل .. فعلى الإنسان أن يحسن الزرع واختيار البذور الجيدة ويستصلح الأرض بما يعود عليه بالفائدة .
وقد أوضح الحق سبحانه وتعالى أن لمعرفة أجزاء الزمان وتوزيع أوقاته علامات ودلائل وآيات ظاهرة هي الأهلة والشمس والقمر والليل والنهار .. ففي الآية 189 من سورة آل عمران "يَسْأَلونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاس" .
وفي الآية 12 من سورة الإسراء "وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَاب.." .
وفي الآيات 28 ، 29 ، 30 من سورة يس "وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ"، "وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ"، "لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ".
إن هذا النظام الدقيق المحكم يدعونا إلى التأمل في توزيع هذه الثروة الغالية ، وأن نصونها ونحافظ عليها لنجعل كل لحظة من لحظات حياتنا فاعلة ومنتجة وقادرة على استيعاب عطاءاتنا الخيرة .
المكان : الموضع .. والجمع أمكنة .. وأماكن جمع الجمع .. والعرب تقول قم مكانك واقعد وأقم مكانك مما يدل على أنه مصدر من فعل كان .. ويقولون مكانك على سبيل التحذير .
وقال بعضهم : المكان والمكانة واحد . ولهذه الكلمة اشتقاقات أخرى لا تعنينا في هذا المقام.
والمكان اسم جامع لحيز يمكن إشعاله بجسم صغير أو كبير .. أو بماء قليل أو كثير .. أو بهواء متمدد أو ثابت شاملا الأرض والسماء وما بينهما وما تحت الثرى .. يتناهى الجسم في الصغر إلى درجة لا يرى معها بالعين المجردة .. ويتناهى في الكبر حتى تشمل الجبال والوديان والقارات .. كما يتضاءل الماء قلة إلى درجة يكون فيها نسمة من بخار ويتكاثر حتى يشمل البحار .. كما تقل كمية الهواء إلى مستوى جزء من ألف جزء من النفس المتردد في صدر الحشرة الصغيرة .. ويتعاظم حتى يشمل الكون كله .
فما هي علاقة الإنسان بهذه المساحات المتفاوتة في الحجم ضيقا واتساعاً..؟
يجيب على ذلك القرآن الكريم بقوله تعالى "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ" (سورة البقرة الآية 30).
إذاً فالأرض هي المكان الذي اختاره الله سبحانه وتعالى للإنسان وهي كوكبنا الذي نعيش فيه حيث كرم الله الإنسان فاستخلفه فيها بعد أن مهدها له وجعلها صالحة للحياة بما خصها من كثافة وجاذبية وحركة وهواء وماء وغير ذلك من أسباب الحياة ..
"الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ" (سورة الزخرف الآية 10).
" هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ" (سورة الملك الآية 15) .
"وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتا" (سورة الأعراف 74) .
لكن قبل أن يكون الإنسان جسدا يتحرك وعقلا يفكر .. أين كان .. ؟
يقول الخالق سبحانه وتعالى "وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ. ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ. ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ" (سورة المؤمنون الآيات 12 : 14).
إذاً كان في الأرض لأنه مجبول من طينتها ثم تحول بأمر الله إلى نطفة في صلب الرجل ، وهي المعبر عنه بالحيوان المنوي الذي لا يمكن رؤيته بالعين المجردة.. يدل على ذلك قوله تعالى "يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ" (سورة الطارق الآية 7) .
لكن هذه النطفة بعد أن تخرج من صلب الرجل أين تذهب .. ؟
هذا ما يجيب عليه القرآن الكريم في الآية الكريمة :
"يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ" (سورة الزمر آية 6) فيتحول من صلب الرجل إلى بطن المرأة في ظلمات ثلاث هي ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة .
أما العلم فيقرب هذه الصورة فيقول :
هو على شكل بيضة أصغر من بيضة الدجاجة بكثير .. يبلغ قطرها جزء أو جزئين من عشرة أجزاء من المليمتر ، ووزنها جزء من مليون جزء من الجرام . وفي هذه البويضة المتناهية الصغر تكمن النقطة الجرثومية Micleole . هذه البويضة في ظلمة المبيض ضمن حويصلة تسبح في سائلها الأليوميني .. فإذا نمت الحويصلة وازداد السائل في باطنها تمدد غشاؤها حتى ينفجر فتخرج البيضة منها لتكون نطفة تنطلق إلى بطن المرأة لتأخذ ذلك الحيز المخصص لها وتأخذ في النمو حسب التدرج الذي أوضحه القرآن .. ورغم ضيق الحيز الذي يشغله فإن الله يهبه المرونة على الاتساع ليأخذ الجنين وضعه داخل البطن . فإذا اكتمل نموه حسبما قدره الله له خرج إلى الدنيا ليجد نفسه أصغر بكثير مما كان في بطن أمه حيث لا ينافسه أحد في ذلك المكان إلا في النادر ..
إنه يخرج إلى الأرض أمه الأولى .. فماذا سيجد بعد أن يترك حضن أمه الثانية .. ؟
سيجد كل مقومات الحياة كما شرحها الله سبحانه وتعالى في الآيات الكريمة : "وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" (سورة النحل آية 14).
إذاً هناك جبال وبحار وأنهار وسبل يجمعها كلها الفضاء الذي بين قمم الجبال وبين حرارة داخلية الأرض .
إلا أن الأرض تحتوي خلاف ذلك أشياء كثيرة في مقدمتها الهواء الذي نتنفسه والماء الذي نشربه والنبات الذي نأكله "هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ. يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" (سورة النحل الآية 11).
لكن .. هل هذه مقومات الحياة فقط .. ؟
لا طبعاً .. لأن الإنسان في حاجة إلى الراحة والصحو والعمل وتنظيم الوقت لمعرفة الليل والنهار "وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ" (سورة النحل الآية 12).
هذه مقومات الحياة التي هيأها الله للإنسان فاستغلها فعمر الأرض واستعمر البحار واستخرج منها بعض كنوزها في دورة مستمرة من جيل إلى جيل .. كل جيل يكمل ما بدأه من سبقه في سبيل عمارة الأرض .. والاستفادة من تلك الإمكانات والنعم التي أنعم بها الله سبحانه وتعالى وسخرها للبشر .
هذا الإنسان الذي احتل الأرض وظن أنه قادر عليها حيث سخرت له وسائل الانتقال فصار يقطع المسافات من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها في أقصر مدة ممكنة لابد له من نهاية .. فإذا جاءت النهاية كان مرجعه ومصيره إلى الأرض يتخذ له من باطنها جدثا يضم رفاته حيث يختلط لحمه وعظامه وعصبه بذلك الأديم الذي جبل منه أول مرة في انتظار البعث والحساب بأمر الله القادر على أن يعيد الإنسان إلى الحياة في اليوم الذي تنكشف فيه السرائر وتفضح الضمائر ويتميز الخبيث من الطيب فلا يبقى سريرة سر بل تنقلب كل خفية إلى الجهر .. فلا جدال ولا حجاج ولا يبقى لذوي الآمال إلا انتظار الجزاء على ما قدموا .. فأما حلول في نعيم وإما مصير إلى جحيم وعذاب أليم .. حيث تأخذ النفس البشرية مكانها الذي أعده الله لها في الجنة أو في النار حسبما قدم في دنياه من عمل صالح أو طالح ، وفي خضم هذه الحركة يبرز سؤال : هل الإنسان حر ؟ وما حدود الحرية ؟ .